أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (20) حين يصبح الصمت لغة

 

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في إحدى رحلاته إلى المناطق النائية في إفريقيا، روى الدكتور عبد الرحمن السميط مشهدًا ظل يرافقه سنوات طويلة.                                                           لم يكن المشهد لطفل يبكي من الجوع، ولا لأم تستغيث طلبًا للدواء، ولا لمريض يحتضر أمام عينيه كان المشهد أكثر هدوءًا من ذلك بكثير.

وصل إلى قرية تعيش أوضاعًا بالغة القسوة كان الفقر حاضرًا في كل شيء؛ في البيوت، وفي الوجوه، وفي تفاصيل الحياة اليومية لكن ما أثار انتباهه لم يكن حجم المعاناة، بل غياب الشكوى.

عمق الألم الكامن وراء الهدوء

لم يكن الناس يطلبون شيئًا ولم يحيطوا به مطالبين بالمساعدة لم يرفعوا أصواتهم كانوا يتعاملون مع الحرمان وكأنه جزء طبيعي من الحياة.

وحين سأل عن ذلك، أدرك حقيقة موجعة: هؤلاء الناس لم يتوقفوا عن الشكوى لأنهم بخير، بل لأنهم تعبوا من الشكوى لقد استُهلك الرجاء في داخلهم حتى كاد ينطفئ.

من هنا فهم السميط درسًا عميقًا: أحيانًا لا يكون أخطر ما تراه هو الألم الظاهر، بل الأخطر قوة الألم في الذي فقد القدرة على التعبير عن نفسه.

ففي كثير من القرى الإفريقية، لا يشتكي الناس كثيرًا ليس لأنهم بخير ولا لأنهم اعتادوا الحياة السهلة، بل لأن الشكوى استُهلكت دون جدوى.

وحين يطول الانتظار، ويتكرر الخذلان، ويشعر الإنسان أن صوته لا يصل إلى أحد، يبدأ في الانسحاب بصمت                                                                          فالصمت هناك ليس رضا، بل تعب وليس قناعة، بل إنهاك طويل.

فلسفة الصمت عند السميط: إشارة خطر لا علامة رضا

عبد الرحمن السميط تعلّم أن أخطر ما يمكن أن تواجهه ليس الصراخ، بل الصمت الطويل.

  • الصمت الذي يعني أن الإنسان لم يعد ينتظر شيئًا.
  • الصمت الذي يخبرك أن صاحبه جرّب الأمل كثيرًا حتى فقد ثقته به.
  • الصمت الذي لا يطلب شيئًا لأنه لم يعد يؤمن أن هناك من يسمع.

هنا تكمن المأساة.

  • فحين لا يسأل الفقير، لا يعني ذلك أنه اكتفى.
  • وحين لا يشتكي المظلوم، لا يعني ذلك أنه رضي.
  • وحين لا يطلب المحتاج، لا يعني ذلك أنه لم يعد بحاجة.

بل ربما يعني العكس تمامًا يعني أن التعب وصل إلى مرحلة أعمق من الكلام.

مأساة الانكسار وخارج الحسابات

الطفل الذي لا يبكي والمرأة التي لا تطلب والرجل الذي يطيل النظر إلى الأرض وكأنه فقد اهتمامه بكل شيء حوله.. كلهم يقولون الرسالة نفسها:

  • نحن لم نعد نحسب.
  • نحن خارج الحسابات.
  • نحن خارج دائرة الاهتمام.

وللأسف، العالم لا يفهم هذه اللغة بسهولة العالم يتحرك غالبًا مع الصوت العالي ومع الصور الصادمة ومع الأخبار العاجلة والعناوين التي تجذب الانتباه.

أما الصمت، فيمرّ غالبًا دون أن يلاحظه أحد.

لهذا كان السميط مختلفًا لم يكن يثق في الصمت لم يكن يراه علامة طمأنينة، بل كان يراه إشارة خطر.

كان يعرف أن الإنسان حين يتوقف عن المطالبة بحقه لا يكون قد تجاوز ألمه، بل ربما يكون قد فقد إيمانه بجدوى المطالبة.

لهذا لم ينتظر أن يُطلب منه ولم يجلس منتظرًا الاستغاثات الرسمية ولم يبحث فقط عن الأماكن التي تتصدر الأخبار، بل ذهب إلى الأماكن التي لم تعد تطلب شيئًا وإلى القرى التي تعلّمت أن الطلب لا يُجدي وإلى الناس الذين اختارهم العالم ليكونوا على الهامش.

فلسفة السميط : إعادة القيمة للإنسان المنسي

كان يدرك أن أعظم صور الفقر ليست في الجوع وحده، بل في شعور الإنسان بأنه غير مرئي وأن يعيش وكأن وجوده لا يغيّر شيئًا وكأن غيابه أيضا لا يلفت انتباه أحد.

هنا يبدأ أخطر أنواع الانكسار حين لا يفقد الإنسان ماله فقط ولا صحته فقط، بل يفقد إحساسه بقيمته.

الصمت، حين يطول، يقتل الإحساس بالحق ويجعل الإنسان يشك في أبسط الأمور:

  • هل أستحق فعلًا حياة أفضل؟
  • هل أستحق فرصة؟
  • هل أستحق أن يراني أحد؟

هنا تبدأ الكارثة الأخلاقية الحقيقية فحين لا يطالب المظلوم بحقه، لا يعني ذلك أن الحق سقط، بل يعني أن العالم نجح في كسره.

وهذا ما كان يقلق عبد الرحمن السميط أكثر من أي شيء آخر.

لم يكن يريد فقط أن يوفر الماء أو الغذاء أو الدواء كان يريد أن يعيد للإنسان شعوره بأنه إنسان، بأنه مرئي، بأنه مهم، وبأن حياته تستحق الاهتمام.

لهذا لم يكسر الصمت بالخطب ولم يكسره بالشعارات، بل كسره بالحضور بأن يصل إلى الأماكن المنسية يجلس مع الناس ويسمعهم ويخبرهم، دون أن يقولها حرفيًا:

أنتم مرئيون، أنتم مهمون، أنتم لستم عبئًا على هذا العالم.

ربما نعيش اليوم في عالم ممتلئ بالكلام فالكلمات في كل مكان والآراء في كل مكان والضجيج يملأ الشاشات والمنصات والفضاءات العامة.

لكن وسط كل هذا الضجيج، ما زال هناك صمت كثير لا يسمعه أحد

  • صمت طفل فقد الأمل في السؤال.
  • وصمت أم اعتادت الحرمان حتى لم تعد تشتكي.
  • وصمت إنسان أقنعته الحياة أن أحدًا لن يلتفت إليه مهما تألم.

هنا يصبح واجب الإنسانية أكبر من مجرد الاستماع للكلمات، بل يجب

  • أن نتعلم الإنصات لما لا يُقال.
  • وأن نرى ما لا يُعرض أمامنا.

أن نبحث عن الذين اختفوا من المشهد لا لأنهم بخير، بل لأنهم تعبوا من طلب المساعدة.

لقد فهم عبد الرحمن السميط هذه الحقيقة مبكرًا لهذا لم يكن ينتظر أن يطرق الألم بابه، بل كان يذهب إليه.

لم يكن ينتظر الاستغاثة، بل كان يبحث عن أصحاب الأصوات التي انطفأت.

لعل هذا هو أحد أسرار أثره العميق.

لقد سمع ما لم يسمعه كثيرون ورأى ما فضّل كثيرون تجاهله.

وفهم أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يعالجه أو يطعمه فقط، بل يحتاج أحيانًا إلى من يعيد إليه شعوره بأنه موجود.

وحين نمر اليوم أمام ألم صامت، أو معاناة لا يرافقها ضجيج، أو إنسان لا يطلب شيئًا رغم حاجته الواضحة، فلنتوقف قليلًا قبل أن نفسّر صمته على أنه رضا.

  • فربما لا يكون صمت احترام.
  • وربما لا يكون صمت قوة.
  • وربما لا يكون صمت اكتفاء.
  • ربما يكون صمت خذلان طويل.

حينها، يصبح واجبنا الأخلاقي ألا ننتظر أن يرتفع الصوت.

بل أن نمتلك من الإنسانية ما يكفي لسماعه قبل أن يُقال.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

زر الذهاب إلى الأعلى