فاتح أفريقيا الجديد (24)الطفل الإفريقي…حين يبدأ العمر متعبًا

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
كان الدكتور عبد الرحمن السميط يكرر أن أكثر ما كان يؤلمه في إفريقيا لم يكن الفقر وحده، ولا الجوع وحده، ولا الأمراض التي كانت تحاصر القرى من كل اتجاه، بل الأطفال وكان يقول إن الطفل هو أول من يدفع ثمن كل أزمة، وآخر من يملك القدرة على الاعتراض.
ويروي في كتابه( لبيك إفريقيا ) ، وفي عدد من أحاديثه الموثقة أن كثيرًا من القرى التي زارها كان يرى فيها أطفالًا يقطعون كيلومترات طويلة يوميًا لجلب الماء، بينما كان آخرون يغيبون عن المدارس لأن عليهم أن يعملوا منذ سنواتهم الأولى لمساعدة أسرهم على البقاء.
لم يكن ذلك استثناءً في قرية بعينها، بل مشهدًا يتكرر حتى أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في مناطق واسعة من القارة.
حين يسرق الفقر الطفولة
هناك أدرك عبد الرحمن السميط أن أخطر ما يفعله الفقر ليس أنه يُفرغ المعدة، بل أنه يسرق الطفولة قبل أن تبدأ.
فالطفولة، في معظم أنحاء العالم، هي مرحلة اللعب والاكتشاف، ومرحلة الأحلام الصغيرة التي تكبر مع أصحابها أما في كثير من المناطق الإفريقية التي عاش بينها، فلم تكن الطفولة تملك هذا الترف كانت تبدأ محمّلة بما لا ينبغي لطفل أن يحمله.
كان الطفل هناك يستيقظ على الجوع، ويعتاد رؤية المرض، ويتعلم الصبر قبل أن يتعلم الحروف، ويعرف معنى الحرمان قبل أن يعرف معنى الاختيار.
وكلما تأمل السميط وجوه هؤلاء الأطفال، كان السؤال يزداد إلحاحًا في داخله: ما ذنب طفل أن يولد في مكان تُختبر فيه الحياة منذ اليوم الأول؟
أي عدالة تسمح لطفل أن يبدأ عمره مثقلًا بما يعجز عنه كثير من الكبار؟
أحلام بسيطة واستثمار حقيقي في بناء الإنسان
الطفل الإفريقي، كما رآه السميط، لم يكن يطلب المستحيل لم يكن يحلم بألعاب إلكترونية، ولا برحلات ترفيهية، ولا بعالم افتراضي مليء بالخيال كان حلمه أبسط بكثير، لكنه بالنسبة إليه كان أعظم الأمنيات:
- أن يجد طعامًا يشبعه…
- وماءً نظيفًا يشربه…
- ومدرسة يذهب إليها…
- ومكانًا ينام فيه آمنًا.
لهذا لم يكن عبد الرحمن السميط ينظر إلى الأطفال باعتبارهم مادة مؤثرة لجمع التبرعات، ولم يسمح يومًا أن تتحول معاناتهم إلى وسيلة لاستدرار العواطف كان ينظر إليهم باعتبارهم مستقبل القارة كلها وكان يؤمن أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالإسمنت ولا بالمباني، بل يبدأ بالإنسان، والإنسان يبدأ طفلًا.
المدارس والكفالة: مشروعات إنقاذ وحماية أجيال كاملة
لهذا لم يكن بناء المدارس بالنسبة إليه مشروعًا تعليميًا فحسب، بل مشروعًا لإنقاذ المستقبل ولم تكن كفالة الأيتام عملًا خيريًا مؤقتًا، بل حماية لجيل كامل من الضياع ولم تكن حملات التغذية والرعاية الصحية مجرد مساعدات عاجلة، بل وقاية لمجتمع كامل من الانهيار.
لقد فهم السميط حقيقة يغفل عنها كثيرون: أن الطفل الذي تُنقذه اليوم، لن يحتاج غدًا إلى من ينقذه.
أما الطفل الذي تُهمله اليوم، فقد يصبح غدًا ضحية جديدة للفقر أو المرض أو الجهل، فتستمر الدائرة في الدوران.
لذلك لم يكن يرى الإنفاق على الأطفال صدقة، بل كان يراه استثمارًا في استقرار المجتمعات.
كان يعرف أسماء كثير منهم، ويحفظ قصصهم، ويتابع أخبارهم بعد سنوات لأنه كان يدرك أن كل رقم يُكتب في تقارير المنظمات الدولية ليس مجرد إحصائية، بل حياة كاملة، وأحلام كاملة، ومستقبل كامل قد يضيع أو يُنقذ.
- فكم من طفل اضطر إلى ترك المدرسة ليعمل في سن لا يعرف فيها حتى معنى العمل؟
- وكم من طفلة حملت على كتفيها مسؤوليات تفوق عمرها بسنوات؟
- وكم من طفل مات قبل أن يعرف كيف يبدو العالم خارج حدود قريته؟
هذه ليست أرقامًا تُقرأ بسرعة، بل مآسٍ ينبغي أن تهز ضمير الإنسانية.
من هنا كان اهتمام السميط بالمدرسة والعيادة والبئر وكفالة اليتيم جزءًا من مشروع واحد فهو لم يكن يبني مبنى هنا، أو يحفر بئرًا هناك، بل كان يحاول أن يمنح الطفل فرصة عادلة ليبدأ حياته كما ينبغي أن تبدأ.
كان يريد أن يمنحه حقه الطبيعي في أن يكون طفلًا قبل أن يكون عاملًا أو معيلًا أو ضحية ولعل أخطر ما يواجهه العالم اليوم ليس أن هناك أطفالًا يعانون، بل أن صور معاناتهم أصبحت مألوفة. نراها على الشاشات، ثم نواصل حياتنا كأن شيئًا لم يكن وكأن الجوع خبر… والحرمان رقم… والطفولة المؤجلة قدر لا يمكن تغييره.
لكن عبد الرحمن السميط رفض أن يتعامل مع الأمر بهذه القسوة الباردة كان يرى في كل طفل رسالة، وفي كل ابتسامة تُعاد إلى وجه صغير انتصارًا للإنسانية كلها.
لهذا ظل يعمل عشرات السنين دون أن يمل، لأنه كان يعلم أن إنقاذ طفل واحد قد يغيّر مستقبل أسرة، وأن تعليم طفل قد يغيّر مستقبل قرية، وأن بناء جيل كامل قد يغيّر مستقبل أمة.
مسئولية أخلاقية وحضارية تتجاوز حدود الجغرافيا
لقد رحل عبد الرحمن السميط، لكن آلاف الأطفال الذين كبروا وهم يحملون كتبهم بدل أوعية الماء، ويجلسون في فصول الدراسة بدل الوقوف في طوابير الجوع، هم الشهادة الحقيقية على أن الخير لا يضيع.
ويبقى السؤال الذي تتركه سيرته لكل واحد منا: كم طفلًا حولنا يحتاج فقط إلى فرصة؟
ليس بالضرورة في إفريقيا، بل ربما في مدينتنا، أو حيّنا، أو حتى داخل عائلتنا فالطفولة لا تُعوَّض إذا ضاعت، والزمن لا يعود إلى الوراء ليمنح الأطفال فرصة ثانية.
ولعل أعظم ما نتعلمه من عبد الرحمن السميط أن حماية الطفولة ليست عملًا خيريًا إضافيًا، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية.
فلم يكن يحلم بتغيير العالم دفعة واحدة كان يفهم أن العالم لا يتغير إلا حين يتغير مصير شخص… ثم آخر… ثم آخر.
لهذا نجح ليس لأنه أنقذ الملايين رغم أنه فعل، بل لأنه تعامل مع كل واحد كأنه الوحيد.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقٍ ومبانٍ، بل بما تحميه من أحلام أطفالها وحين ننقذ طفلًا من الجهل، أو الجوع، أو المرض، أو اليتم، فإننا لا نغيّر حياة شخص واحد فقط، بل نغيّر مستقبلًا كاملًا لم يولد بعد.
وهذا هو الاستثمار الوحيد الذي يبقى أثره حيًا، حتى بعد أن يغيب أصحابه.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








