في ظلال رحلة المعراج الكونية (10) نصوص شرعية حول مفهوم الكون الكبير

بقلم / د. سعد كامل
في هذه الحلقة من سلسلة “في ظلال رحلة المعراج الكونية”، نغوص في دلالات النصوص الشرعية التي ترسم ملامح “الكون الكبير”. هذا الكون الذي لا يقف عند حدود السماوات السبع والأرضين السبع فحسب، بل يتضمن أيضاً الكرسي الذي يستوعب السماوات والأرض في جوفه كما قال السدي في تفسير آية الكرسي، وصولاً إلى عرش الرحمن الذي يمثل سقف المخلوقات وأعظمها وأجملها على الإطلاق.
المسافات وبنية السماوات والأرض في السنة النبوية
روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نبي الله -صلى الله عليه وسلم- جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: “- هل تَدْرونَ ما هذه الَّتي فوقَكم؟ فقالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّها الرَّفيعُ: سقفٌ محفوظٌ، وموجٌ مكفوفٌ، هل تدرونَ كم بينَكم وبينَها؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّ بينَكم وبينَها مسيرةَ خَمسِ مِئةِ عامٍ، وبينَها وبينَ السَّماءِ الأخرى مِثلُ ذلكَ، حتَّى عَدَّ سبعَ سمواتٍ، وغِلَظُ كلِّ سماءٍ مسيرةُ خَمسِ مِئةِ عامٍ، ثمَّ قال: هل تدرونَ ما فوقَ ذلك؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّ فوقَ ذلك العرشُ، وبينَه وبينَ السَّماءِ السابعةِ مسيرةُ خَمسِ مِئةِ عامٍ، ثمَّ قال: هل تدرونَ ما هذه الَّتي تحتَكُمْ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّها الأرضُ، وبينَها وبينَ الأرضِ الَّتي تحتَها مسيرةُ خَمسِ مِئةِ عامٍ، حتَّى عَدَّ سبعَ أرَضينَ، وغِلَظُ كلِّ أرضٍ مسيرةُ خَمسِ مِئةِ عامٍ، ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لو أنَّكم دلَّيْتُم أحدَكم بحبلٍ إلى الأرضِ السَّابعةِ، لهبَط على اللهِ تبارَك وتعالى، ثمَّ قرَأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} (الحديد: 3). ذكر موقع الدرر السنية تخريج هذا الحديث بقوله: أخرجه الترمذي (3298)، وأحمد (8828)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (849) واللفظ له وقال فيه انقطاع. ففي هذا الرواية وفي عدة نصوص أخرى نلاحظ وصفا عاما للمسافات الكونية مع إشارة ضمنية عن بنية السماوات السبع والأرضين السبع.
أبعاد عرش الرحمن وعظمته في أقوال السلف
وقد ذكر الإمام ابن كثير في البداية والنهاية قول محمد بن عثمان ابن أبي شيبة عن بعض السلف: “أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة”. وجاء عند ابن كثير في تفسير قوله تعالى من سورة المعارج (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)) “أن بعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، واتساعه خمسون ألف سنة”.
كروية الكون والاتجاهات بين جنة الخلد والجحيم
كما ثبت في القرآن الكريم أن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، قال الله تعالى في سورة الحديد: ((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ… (21)) وهذا حق بلا ريب، وفي مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كانت الجنة عرضها السموات والأرض فأين تكون النار؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “إذا جاء الليل فأين يكون النهار؟”، ويتضح من هذه الإجابة الموجزة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم عدة مفاهيم منها كروية الكون الصغير الذي يضم جنة الخلد في السماوات السبع العُلَى كما جاء في حديث الإسراء بالبخاري ومسلم، ويضم النار أو الجحيم في الجهة المقابلة للسماوات العلى، وهي أسفل سافلين بالنسبة للعرش، بالتالي إذا كانت جنة الخلد في النصف العلوي من السماوات السبع فوق الأرضين السبع العليا، فإن الجحيم يكون في النصف السفلي من السماوات السبع فوق الأرضين السبع السفلى (كما يظهر على الشكل المرفق)، كما جاء في قوله تعالى من سورة النساء: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)). وسوف يتم مناقشة تفاصيل أخرى عن الاتجاهات الكونية في مقالات قادمة بإذن الله تعالى.
في ضوء النصوص الشرعية المذكورة أعلاه يمكن استنتاج المفهوم المقترح للكون بمكوناته الكبرى التي تتضمن السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي والعرش، وسوف يتم مناقشة ذلك في المقالات التالية بإذن الله.
د.سعد كامل
أستاذ مشارك في الجيولوجيا
الإسكندرية – مصر
saadkma2005@yahoo.com
