احدث الاخبار

من التواصل إلى الحشد: كيف تحولت المنصات الرقمية إلى أداة لتوجيه الجماهير؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

لم تعد المنصات الرقمية مجرد مساحة للتواصل وتبادل الصور والآراء، بل أصبحت واحدة من أقوى أدوات الحشد والتأثير الجماهيري في العصر الحديث.

فبضغطة زر، يمكن لفكرة أن تنتشر، ولموقف أن يتحول إلى حملة، ولمجموعة صغيرة أن تتحول إلى رأي عام واسع التأثير.

في الماضي، كان الحشد يحتاج إلى اجتماعات وتنظيمات وتحركات على الأرض، أما اليوم فقد أصبح يبدأ من شاشة هاتف، وهاشتاج، ومقطع فيديو لا تتجاوز مدته دقائق.

*كيف غيّرت المنصات مفهوم الحشد؟

الحشد لم يعد مرتبطًا فقط بالتواجد الفعلي في الشارع، بل أصبح هناك نوع جديد من “الحشد الرقمي”، يقوم على:

تجميع الانتباه، توحيد المشاعر، توجيه النقاش العام، دفع الجمهور نحو موقف أو رد فعل معين… فالمنصات الرقمية لا تجمع الناس في مكان واحد، لكنها تجمعهم حول فكرة واحدة في اللحظة نفسها.

وهنا تكمن القوة الحقيقية.

*السرعة… السلاح الأخطر

أخطر ما يميز الحشد الرقمي هو السرعة.

فأي قضية يمكن أن تنتقل خلال ساعات من منشور فردي، إلى ترند واسع، ثم إلى

ضغط جماهيري يصعب تجاهله.

ومع التفاعل المتزايد، يشعر الأفراد أنهم جزء من “حالة جماعية”، ما يدفعهم إلى المشاركة حتى دون امتلاك معلومات كاملة أحيانًا.

وهكذا يتحول التفاعل إلى موجة، والموجة إلى حالة رأي عام.

*العاطفة قبل التفكير

تعتمد المنصات الرقمية في الحشد على المشاعر أكثر من الحقائق، فالمحتوى الأكثر قدرة على الانتشار عادة هو الغاضب، الصادم، المؤثر إنسانيًا، أو المثير للجدل… لأن المشاعر تدفع الناس إلى التعليق، المشاركة، إعادة النشر، والانخراط السريع.

ولهذا، كثيرًا ما تنتشر القضايا التي تثير الانفعال، حتى لو كانت المعلومات حولها ناقصة أو غير دقيقة.

*الخوارزميات ودورها في تضخيم الحشد

المنصات لا تعرض كل شيء بالتساوي.

فالخوارزميات تمنح الأولوية للمحتوى الذي يحقق تفاعلًا أكبر، ما يعني أن الغضب ينتشر أسرع، الجدل يبقى مدة أطول، والانقسام يجذب الانتباه أكثر… ومع الوقت، لا يصبح المستخدم متلقيًا فقط، بل جزءًا من عملية تضخيم الرسالة نفسها.

فكل مشاركة أو تعليق يساهم في دفع القضية إلى مزيد من الناس، وكأن الجمهور يشارك دون قصد في صناعة الحشد ذاته.

*بين الوعي والتوجيه

لا يمكن النظر إلى الحشد الرقمي باعتباره ظاهرة سلبية بالكامل، فالمنصات الرقمية ساهمت في دعم حملات إنسانية، نشر الوعي بقضايا مجتمعية، تنظيم حملات تبرع ومساعدة، وإيصال أصوات لم تكن تجد مساحة للتعبير.

لكن في المقابل، قد تتحول أيضًا إلى أداة للتلاعب بالمشاعر، أو نشر الشائعات، أو خلق حالة استقطاب وانقسام خصوصًا عندما يتم توظيف الحشد لخدمة أهداف سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية.

*هل أصبح الجمهور أكثر قابلية للتوجيه؟

في بيئة رقمية سريعة ومليئة بالمحتوى، أصبح الإنسان يتعرض يوميًا لكم هائل من الرسائل والانفعالات والآراء. ومع التكرار المستمر، قد يندمج الفرد داخل “التيار الجماعي” دون أن يشعر.

فأحيانًا لا يتبنى الناس المواقف لأنهم مقتنعون بها بالكامل، بل لأن الجميع يتحدث عنها، الجميع غاضب، الجميع يشارك… وهنا تتحول المنصات من مساحة للتعبير الحر إلى بيئة قادرة على تشكيل الإدراك الجماعي وتوجيهه.

وختاماً…

لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت ساحات مفتوحة للحشد والتأثير وصناعة الاتجاهات العامة.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى