الاسرة والطفل

نحو أسرة راشدة (8) اختيار الشريك وتأسيس القواعد

كتب –الدكتور أمين رمضان

لكل بناء عظيم أساس متين يرفعه ويحميه من الانهيار عند أول عاصفة. وفي “علم النظم”، تعتمد قوة أي منظومة على جودة مكوناتها، والمكونات الأولى للأسرة هي الزوج والزوجة. لذلك، فإن بناء “الأسرة الراشدة” لا يبدأ بعد الزواج، بل يبدأ قبله بكثير؛ في اللحظة التي نقرر فيها اختيار الشريك الذي سيشاركنا رحلة الحياة.

“السَكَنْ” كمعيار أساسي للاختيار

في زحمة الحياة المعاصرة، كثيراً ما يختزل الشباب الزواج في مشاعر الإعجاب اللحظية أو التوافق المادي، متناسين الغاية الكبرى التي وضعها القرآن الكريم كحجر أساس للأسرة. يقول الله تعالى:

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم: 21)

“السَكَنْ” هنا ليس مجرد بيت من جدران، بل هو “أمان نفسي”. الشريك الراشد هو الذي تشعر معه بالهدوء وتأمن على نقاط ضعفك بين يديه، وتتحدث معه أو أمامه وأنت لا تخشى سوء الظن منه، أو عقد محاكمات لكلمة قلتها بعفوية، لتتشكل بعد ذلك المودة (في أوقات الرخاء) والرحمة (في أوقات الشدة).

تجاوز الأوهام إلى توافق القيم

إن الحب وحده لا يكفي لبناء مؤسسة أسرية ناجحة إذا غابت القيم المشتركة. يقول الدكتور مصطفى محمود عن الحب: “عوامل بقاء الحب خارج الحب”، يعني أن الحب وحده لا يكفي لاستمرار العلاقة، بل يجب رعاية هذا الحب والاهتمام به للحفاظ عليه وازدهاره، تماما كما يرعى الإنسان النبتة الصغيرة، فيرويها بالماء ويبعد عنها الحشائش الضارة، كذلك الحب، يحتاج أن نرويه بالاحترام والتقدير المتبادل، وحسن الاستماع لكل طرف، وعدم رفع الصوت، وتشجيع الطرف الآخر لتحقيق أهدافة، وتحمل المسؤولية المشتركة، وغير ذلك من الأشياء التي تروي الحب ليستمر حياً في القلوب والأرواح.  لقد علمنا علم النفس الحديث أن الصراعات الزوجية غالباً ما تنشأ من اختلاف “مستويات الوعي والقيم” التي تحدثنا عنها سابقاً. عندما يبحث طرف عن “الاستقرار الهادئ” بينما يطمح الآخر لـ “المغامرة والإنجاز المستمر” دون وجود منطقة وسطى، يحدث التصادم.

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في أهمية الاختيار الصادق والداعم:

وَمَن يَجِدُ الإِخلاصَ في حُبِّ زَوجَةٍ … تَكُن لِحَياتِهِ أَوفى مُعِينِ

فالإخلاص والتوافق هما المُعين الحقيقي لمواجهة تحديات الزمن المستمرة، وهما نتاج اختيار واعٍ لا تحركه العواطف العابرة فقط.

فخ “التوقعات الصامتة”

من أهم أسباب تعثر الأسر في سنواتها الأولى هو ما يسميه علماء النفس “التوقعات غير المعلنة”. يدخل الشابان الزواج وكل منهما يحمل صورة خيالية في ذهنه عن دور الآخر (في الأمور المالية، أو تربية الأبناء، أو شكل الحياة اليومية)، لكنهما لا يتحدثان عنها بصراحة، وحين تصطدم هذه التوقعات بأرض الواقع، يبدأ الإحباط.

كيف نؤسس لبناء راشد؟ (إجراءات عملية)

للمقبلين على الزواج، أو حتى للمتزوجين الذين يرغبون في إعادة ضبط بوصلة حياتهم، جربوا هذه الخطوات:

  1. حوار “التوقعات المفتوح”: قبل الزواج، اجلسا وناقشا بشفافية القضايا الأساسية: (كيف سندير أموالنا؟ ما هي مساحة الاستقلال الشخصي لكل منا؟ كيف سنتعامل مع تدخلات العائلتين؟ وما هي رؤيتنا لإنجاب الأطفال وتربيتهم؟).
  2. كتابة “ميثاق العائلة”: ليس عقداً قانونياً، بل وثيقة صغيرة تكتبان فيها أهم 3 قواعد لن تتنازلا عنها في بيتكم (مثال: لا ننام ونحن غاضبان من بعضنا، الاحترام المتبادل وقت الخلاف، الصراحة التامة).
  3. التركيز على “القدرة على التعافي”: ابحث في شريكك عن قدرته على الاعتذار، ومسامحته، ومرونته وقت الأزمات، فهذه هي المهارات التي تبني بيتاً طويل العمر.

خلاصة المقال

الأسرة الراشدة لا تُبنى على المشاعر المؤقتة، بل على اختيار واعٍ يبحث عن “السكن النفسي” وتوافق القيم. ومن خلال المصارحة وإدارة “التوقعات” قبل الزواج، ووضع قواعد وميثاق غليظ للمودة والرحمة، نضمن تأسيس منظومة قادرة على الصمود والنمو في مواجهة تحديات الحياة.

الدكتور / أمين رمضان

7 مايو 2026

 

زر الذهاب إلى الأعلى