وقالت المنابر: “لا يسخر قوم من قوم”.. صرخة ضد التنمر والتكبر

كتب – علاء رمضان
في زمن غلبت فيه الماديات وتراجعت فيه القيم الأخلاقية لدى البعض، تأتي رسالة المنابر لتذكر الإنسان بحقيقته المجردة. بداية، لا تنسَ أصلك؛ فأنت مخلوق من تراب، وإلى التراب تعود، فلماذا التكبر والغرور؟ ولماذا السخرية والاستهزاء بخلق الله؟ إن من تسخر منه اليوم قد يكون عند الله أرفع درجة وأعظم شأناً.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
حكم السخرية والتنمر في الشريعة الإسلامية
لم تترك الشريعة مجالاً للاستهانة بمشاعر الآخرين، بل جعلت السخرية ذنباً عظيماً يحاسَب عليه العبد:
عظمة الذنب عند المفسرين: يروى عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، أن “الصغيرة” هي التبسم بدافع الاستهزاء، و”الكبيرة” هي الضحك المباشر بالسخرية!
الوصف الشرعي للساخر: ذكر الإمام القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾، أن من سخر من أخيه المسلم فقد اتصف بالفسق.
أدلة نبوية تنهى عن المحقرة والكبر
جاءت السنة النبوية المطهرة لتضع معايير دقيقة للتعامل الأخلاقي والبعد عن التنمر:
حقيقة الكبر: قال رسول الله ﷺ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»، وغمط الناس هو استحقارهم واستصغارهم.
تعريف المسلم الحق: قال ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
النهي عن الجاهلية وتحقير المسلم: في حديث أبي ذر -رضي الله عنه- عندما سابَّ رجلاً بأمه، قال له النبي ﷺ: «أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ…»، موضحاً أن المعيار هو التقوى، متسائلاً ومؤكداً بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، فكل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه.
أسباب انتشار ظاهرة التنمر والسخرية
تتعدد الأسباب التي تدفع الفرد إلى ممارسة السخرية والتنمر على غيره، ومن أبرزها:
قلة الوازع الديني: ضعف الإيمان والجهل بعواقب الكلمة عند الله.
سوء التربية: غياب التوجيه الأسري الصحيح على احترام الآخرين.
عدم حفظ اللسان: الغفلة عن ضبط ألفاظ الجوارح.
الاستهانة بخطر الكلمة: عدم دراية الفرد بأثر الكلمة الجارحة في نفوس الآخرين.
خطوات عملية لعلاج السخرية والتوبة منها
تجنب الشماتة: لا تشمت بأخيك فيرحمه الله ويبتليك.
البدء بالإصلاح الذاتي: ابدأ بإصلاح نفسك وأسرتك قبل التطلع لعيوب الناس.
الوعي بعواقب الآخرة: إدراك أن السخرية وحقوق العباد هي السبب المباشر لإفلاس الإنسان يوم القيامة حساً ومعنى.
خاتمة وتذكرة: متى تتوب؟
في كل يوم نودع عزيزاً لدينا، نتأثر لدقائق، وقد نبكي، ثم سرعان ما نعود إلى الغفلة!
يا نفسُ قد أزف الرحيلُ وأظلّكِ الخطب الجليلُ .. فتأهّبي يا نفسُ لا يلعب بكِ الأمل الطويلُ.
بقلم: علاء رمضان عبد الله – أوقاف القناطر الخيرية




