السودانأراء وقراءات

يوميات وطن ينزف (12) شبكات الأمان الاجتماعي في السودان تتحول إلى “فخ صيد”

   قلبي سوداني (11)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

السودان مجتمع واسع، يمتد أفقيًا بالعلاقات الأسرية والقبلية الممتدة.
كانت القبيلة مظلة تحمي، وسندًا يخفف وظهرًا يُستند إليه عند الشدائد.
كانت القبيلة بيتًا كبيرًا تعرف فيه أن هناك من يقف معك دون سؤال، ومن يحميك دون شرط، ومن يفتح لك الباب لأنك منّا.

لكن الحرب جرّت القبائل إلى الحسابات.
صار لا بدّ من تحديد موقف: مع من؟ ضد من؟
مع من تقف لحماية قراك؟
ومع من تقاتل كي لا تصبح هدفاً سهلاً؟

الحرب تعيد هندسة الروابط البشرية

هكذا تحولت القبيلة من بيت كبير، إلى نقطة صراع.
وأصبحت القرابة سلاحًا، إما يحميك… أو يورطك.

كم من رجل وجد نفسه في معركة لا يفهم دوافعها، فقط لأنه يحمل اسم قبيلته!
كم من شاب دُفع إلى الحرب لأن “هذا ما يفعله رجال القبيلة”، رغم أن قلبه كان يتمنى طريقاً آخر؟

هكذا يتحول الولاء الاجتماعي من شبكة أمان إلى شبكة صيد.
وتتحول العقود الطويلة من المصاهرة والجيرة إلى أوراق تُستخدم وقت الضرورة.
هذه ليست حرباً سياسية فحسب… إنها حرب تعيد هندسة الروابط البشرية من جديد.

القبيلة، في أصلها، لم تُخلق لتكون أداة صراع، بل لتكون إطارًا للتكافل.
لكن حين تغيب الدولة، وتختل الموازين، تجد نفسها فجأة في موقع لم تُصمم له.

فتحمي… لكنها قد تُقصي.
وتدافع… لكنها قد تُورّط.

من الذي كسر البيت فعلاً؟

الطائرات والقذائف والميليشيات كلها أدوات.
لكن الذي كسر البيت السوداني فعلاً هو: القبيلة التي لم تضع الناس في المعادلة.
فبعد كل معركة تحسب كل قبيلة حجم الانتصارات الميدانية، وخطوط الإمداد، والنفوذ السياسي، والتوازنات الدولية.
أما العائلة السودانية، فقد تُركت وحدها:

  • تدفن موتاها بلا ضجيج.
  • تبحث عن أبنائها في لوائح المفقودين.
  • تتقاسم رغيفاً واحداً يكفي بالكاد لنهار واحد.
  • وتقاوم تفتت الروح يوماً بعد يوم.

لا أحد يسأل: كم بيتاً تمزق؟
كم علاقة انكسرت؟
كم قلباً توقّف عن الثقة؟
وكم أسرة ستحتاج إلى سنوات طويلة لتعيد بناء نفسها؟

لكن… البيت السوداني لا يُهزم بسهولة

رغم كل هذا، لم يستسلم البيت السوداني حتى في قلب المأساة، تظهر تلك الروح الدافئة التي لم تستطع الحرب أن تطفئها:
أم تشارك خبزها مع جارة فقدت زوجها.
شباب يبنون مطبخاً جماعياً في حيّ شبه مدمر.
رجل بلا ممتلكات يفتح باب غرفة مهدمة لعابر يبحث عن مأوى.

البيوت التي انكسرت من الخارج… لا تزال متماسكة من الداخل.
الصبر السوداني، المروءة السودانية، والطيبة التي تحوّل وجع الناس إلى تضامن، كلها تقول إن البيت ربما كُسِر، لكنه لم يسقط.

الخراب ليس قدراً… لكنه حقيقة

وما بين الحقيقة والقدر، يقف السودانيون كل يوم.
يتعلمون كيف يرممون علاقاتهم كما يرممون حياتهم: شقّ بعد شقّ، وخطوة بعد خطوة، ودمعة بعد دمعة.

البيت السوداني الذي كُسِر اليوم، يمكن أن يعود يوماً ما.
لكن هذا لن يحدث من تلقاء نفسه.
يحتاج إلى سلام حقيقي، إلى عدالة تُعيد الثقة، إلى مصالحة تُعيد الاعتبار، وإلى زمنٍ يسمح للجرح أن يلتئم.

وحتى يأتي ذلك الوقت، سيظل البيت السوداني واقفاً على قدم واحدة، يترنح، لكنه لا يسقط.
ففي قلب كل سوداني… قطعة من هذا البيت، يحملها معه أينما ذهب، ويحميها كما لو أنها أثمن ما تبقى له.

 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى