
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
بدء المشهد بوزير صهيوني متطرف يدخل باحات المسجد تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، ومستوطنون يتحركون بثقة المنتصر، بينما يُمنع أصحاب الأرض أنفسهم من الوصول بحرية إلى مكان عبادتهم.
لكن للأسف حكومة الاحتلال تحاول تقديم المشهد وكأنه “زيارة عادية”، وكأن رجلاً دخل حديقة عامة ليلتقط فيها صورة تذكارية ثم غادر.
لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير فالأقصى ليس مجرد مبنى أثري، ولا ساحة سياحية مفتوحة لعشاق الاستفزاز السياسي، بل رمز ديني وتاريخي وإنساني يعيش في وجدان كل المسلمين حول العالم.
الإحتلال يسعى لفرض الأمر الواقع وتزييف هوية القدس
الاقتحام الأخير لم يكن حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من محاولات فرض واقع مختلف في القدس المحتلة والمشهد كله بدا وكأنه نسخة سياسية رديئة متكررة
ما حدث داخل باحات المسجد الأقصى رافقته ممارسات استفزازية معتادة: تقييد وصول المصلين، تشديد الإجراءات الأمنية، التضييق على الفلسطينيين، والسماح للمستوطنين بأداء طقوسهم تحت حماية السلاح.
وكأن المطلوب ليس فقط السيطرة على المكان، بل إعادة تعريف هويته بالتدريج، خطوة وراء خطوة، وصورة وراء صورة.
المشكلة أن هذه الاقتحامات لم تعد تُقدَّم حتى كإجراءات أمنية مؤقتة، بل أصبحت جزءًا من خطاب سياسي واضح يحاول صناعة “أمر واقع” جديد في القدس.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالاحتلال لا يبدأ دائمًا بالدبابات… أحيانًا يبدأ بفكرة صغيرة يتم تكرارها حتى يعتادها العالم.
عجز القانون الدولي والاكتفاء بالبيانات
وفي كل مرة يحدث ذلك، نسمع البيانات نفسها:
“ندين” …
“نستنكر” …
“نحذر من التصعيد” …
ثم يذهب الجميع للنوم، بينما تبقى القدس وحدها مستيقظة على صوت الجنود والحواجز.
حتى القانون الدولي، الذي يُفترض أنه وُجد لحماية الشعوب والمقدسات، يبدو أحيانًا وكأنه موظف حكومي أنهكه الروتين؛ يكتب التقارير، يختم الأوراق، ثم يعود إلى بيته دون أن يتغير شيء على الأرض.
ما يجري في المسجد الأقصى يُعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي والقانون الإنساني، لأن القدس أرض محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة، ولأن أي محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم تُعتبر باطلة من الأساس.
لكن المشكلة ليست في غياب القوانين… بل في غياب من يُطبقها حين يتعلق الأمر حكومة الاحتلال.
والأخطر من ذلك أن الاستفزاز لم يعد موجَّهًا للفلسطينيين وحدهم، بل لمشاعر ملايين المسلمين حول العالم.
فحين تُقيّد صلاة المسلمين في ثالث الحرمين الشريفين، بينما تُفتح الأبواب للمستوطنين تحت حماية البنادق، فالمسألة تتجاوز السياسة إلى محاولة فرض تفوق بالقوة حتى في أكثر الأماكن قدسية.
الغريب أن بعض السياسيين يتحدثون عن “حرية العبادة” وهم يمنعون المصلين من الوصول للمسجد وهي مفارقة تشبه أن يسرقك شخص ثم يعطيك محاضرة عن أهمية الأمانة.
القدس ستبقى ذاكرة الأمة
لكن، ورغم كل هذا، تبقى القدس مختلفة فالمدينة التي مرّت عليها إمبراطوريات وغزاة وحروب، ما زالت تحتفظ بروحها، وكأنها تعرف أن المحتل مهما طال بقاؤه… يبقى عابرًا.
القدس ليست مجرد حجارة، بل ذاكرة أمة كاملة.
ولهذا، فإن أخطر ما يراهن عليه الاحتلال ليس القوة العسكرية فقط، بل تعب الناس واعتيادهم على المشهد.
أن يصبح اقتحام الأقصى خبرًا عاديًا بين أخبار الطقس وأسعار العملات.
وهنا تحديدًا تبدأ الهزيمة الحقيقية: ليس حين يُقتحم المكان… بل حين يفقد الناس إحساسهم بخطورة الاقتحام.
ورغم كل شيء، ما زال الفلسطيني الذي يُمنع من الصلاة يعود في اليوم التالي، وما زالت النساء المرابطات يقفن في وجه الجنود بقلوب عارية إلا من الإيمان، وما زال الأذان يرتفع رغم كل محاولات التضييق.
وهذه ليست رومانسية خطاب، بل حقيقة تاريخية: القدس تعبت… لكنها لم تنكسر.
وفي النهاية، يبدو المشهد واضحًا جدًا: احتلال يحاول فرض واقع جديد بالقوة، وعالم يكتفي بإدارة القلق عبر البيانات، وشعب يواصل التمسك بما تبقى من حقه وكأنه يمسك النار بيديه.
شهادة التاريخ الحقة
لكن التاريخ يشهد بحقيقة ثابتة …
فهو لا يتذكر دائمًا من امتلك القوة، بل من بقي متمسكًا بحقه رغم اختلال الموازين.
ولهذا، ربما يستطيع الاحتلال أن يضع الحواجز، ويمنع المصلين، ويقتحم الساحات، لكنه لن يستطيع أن ينتزع من القدس معناها.
لأن الأماكن المقدسة لا يحرسها الحجر وحده… بل ذاكرة المؤمنين بها.
وذاكرة القدس، مهما حاولوا إطفاءها، ما زالت تحفظ طريقها إلى قلوبنا
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية



