يوميات وطن ينزف (22) رحيلٌ في زمن كأس العالم… حين يخطف الموت صُنّاع الفرحة
قلبي فلسطيني (5)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
هناك رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بعدد المناصب التي تقلدوها، ولا بالألقاب التي تسبق أسماءهم، بل بالأثر الذي يتركونه في وجوه الناس، وفي الأرواح التي امتدت إليها أياديهم بالعون.
وفي زمن الحروب، يصبح العامل الإنساني جنديًا من نوع آخر؛ لا يحمل سلاحًا، بل يحمل أملاً، ولا يبحث عن نصرٍ عسكري، بل عن حياةٍ لطفل، أو دواءٍ لمريض، أو لقمةٍ لجائع وحين يسقط أحد هؤلاء، فإن الخسارة لا تكون خسارة شخصٍ واحد، بل خسارة نافذةٍ كانت تُطل منها الإنسانية على شعبٍ أثقلته المآسي.
المفارقة المؤلمة: دماء في غزة وهتافات في المونديال
وبحسب ما تداولته وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، فقد استشهد محمد فواز الوحيدي، المعروف بـ”أبو صهيب”، مدير العلاقات العامة في اللجنة المصرية بقطاع غزة إثر قصف إسرائيلي استهدف مركبته المدنية في حي الصبرة بمدينة غزة، أثناء عمله في تنسيق الجهود الإنسانية والإغاثية، إلى جانب مساهمته في تنظيم فعاليات مجتمعية تهدف إلى التخفيف من معاناة السكان، في حادثة تزامنت مع انشغال ملايين المشاهدين بمتابعة مباراة مصر والأرجنتين ضمن منافسات كأس العالم 2026 وبينما كانت المدرجات تهتز بالهتافات، كانت غزة تعيش لحظةً أخرى من الألم، لتُذكر العالم بأن هناك شعوبًا لا تعرف معنى الاستراحة من الحرب.
هذه المفارقة ليست مجرد صدفة زمنية؛ إنها صورة تختزل واقعًا مؤلمًا ففي اللحظة التي يحتفل فيها العالم بالأهداف والانتصارات، هناك من يفقد حياته وهو يؤدي واجبه الإنساني إنها لحظة تدفع الإنسان إلى التساؤل: كم من المآسي تمر بصمت لأن العالم منشغل بما هو أكثر صخبًا؟
يوميات المعاناة وضريبة العمل الإغاثي تحت الركام
في غزة، لم تعد الحرب مجرد أخبار عاجلة تتصدر الشاشات، بل أصبحت تفاصيل الحياة اليومية الأطفال الذين كان ينبغي أن يحملوا حقائبهم المدرسية يحملون الخوف، والأمهات اللواتي كن يحلمن بمستقبل أبنائهن أصبحن يحلمن فقط بأن يعودوا إلى المنزل سالمين أما العاملون في المجال الإنساني، فقد أصبحوا يتحركون بين الركام وهم يدركون أن كل خطوة قد تكون الأخيرة.
إن من يعمل في الإغاثة لا يدخل ساحةً آمنة، بل يدخل إلى قلب الخطر وهو يعلم أن مهمته قد تكلفه حياته لكنه يمضي لأنه يؤمن بأن إنقاذ حياة إنسان يستحق المخاطرة، وأن واجبه الأخلاقي أكبر من خوفه الشخصي.
لذلك، فإن رحيل أي عامل إنساني، إذا ثبتت تفاصيله، لا يمس مؤسسةً بعينها، بل يمس الفكرة التي قامت عليها الإنسانية نفسها: أن هناك من يختار خدمة الآخرين رغم كل المخاطر.
إن ما يجعل هذه اللحظة أكثر قسوة هو أنها جاءت في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات الإنسانية على تلبية الاحتياجات المتزايدة لسكان غزة فالأسر التي تنتظر الغذاء والدواء والمياه لا ترى في العامل الإنساني موظفًا يؤدي عمله، بل ترى فيه آخر خيطٍ يربطها بالأمل وعندما يُفقد هذا الخيط، تتسع دائرة اليأس.
اعتياد المشهد .. أكثر ما يوجع في مثل هذه الأحداث
ولعل أكثر ما يوجع في مثل هذه الأحداث أن أسماء الضحايا قد تمر سريعًا في نشرات الأخبار، ثم يطويها النسيان، بينما تبقى آثار رحيلهم حاضرة في قلوب من عرفوهم وخدموهم فخلف كل اسم قصة، وخلف كل قصة عائلة، وأصدقاء، وزملاء، وأناس كانوا ينتظرون منه أن يعود في نهاية يومه.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في فقدان الأرواح، بل في اعتياد العالم على مشاهد الفقد حيث أصبح خبر سقوط إنسان في غزة يمر على كثيرين كأنه رقم جديد في قائمة طويلة، بينما لكل رقم حياة كاملة، وأحلام لم تكتمل، ومستقبل انطفأ قبل أوانه.
ليس المطلوب من العالم أن يتوقف عن ممارسة حياته، أو أن تتوقف البطولات الرياضية، أو أن تصمت الملاعب لكن المطلوب ألا تصبح فرحة العالم سببًا في تجاهل آلام الآخرين فالقيم الإنسانية لا تتعارض مع الرياضة، بل تكتمل بها عندما يكون الإنسان حاضرًا في الضمير كما هو حاضر في الشعارات.
إن حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني ليست مطلبًا سياسيًا، بل مبدأ إنساني أقرته القوانين الدولية، لأنها الفئة التي اختارت أن تمد يدها للمحتاجين بدل أن تحمل السلاح وحين يتعرض هؤلاء للخطر، فإن المجتمع الإنساني بأكمله يخسر جزءًا من رسالته.
قد تختلف الروايات حول تفاصيل الأحداث، وقد تتباين المواقف السياسية، لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تكون محل خلاف: أن حياة الإنسان يجب أن تظل ذات قيمة، وأن من يكرسون حياتهم لخدمة الآخرين يستحقون الحماية والتقدير، لا أن يصبحوا جزءًا من قوائم الضحايا.
في النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الضمير الإنساني: كم من الأرواح يجب أن تُفقد حتى يصبح الإنسان هو الأولوية؟ وكم من العاملين في الإغاثة يجب أن يدفعوا حياتهم ثمنًا لالتزامهم برسالة الرحمة؟
صافرة النهاية والذكرى التي لا تموت
قد تنتهي مباراة كرة القدم بإطلاق صافرة النهاية، ويغادر الجمهور الملاعب، وتُنسى نتائج البطولة بعد سنوات أما الذين يفقدون أحباءهم، فإن صافرة النهاية لا تأتي أبدًا يبقى المقعد فارغًا، ويبقى الاسم حاضرًا في الدعاء، وتبقى الذكرى شاهدًا على أن هناك رجالًا اختاروا أن يكونوا إلى جانب الناس في أصعب لحظاتهم.
هكذا، فإن القيمة الحقيقية لأي مجتمع لا تُقاس فقط بما يحققه من إنجازات، بل بقدرته على صون كرامة الإنسان، والوفاء لمن جعلوا من خدمة الآخرين رسالةً لحياتهم. فالأوطان تُبنى بالعدل، والإنسانية تبقى حية ما بقي في العالم من يؤمن بأن حياة إنسان واحد تستحق أن تُحفظ، وأن الرحمة ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُمارس كل يوم.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية




