شئون عربيةلبنان

يوميات وطن ينزف (34) المرأة اللبنانية… حين تحمل الوطن على كتفيها

      قلبي لبناني (4)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في صباح اليوم التالي لانفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب 2020، كانت شوارع العاصمة لا تزال مغطاة بالزجاج والركام وبين آلاف المتطوعين الذين خرجوا لإزالة آثار الكارثة، لفتت الأنظار امرأة خمسينية كانت تكنس مدخل مدرسة تضررت بشدة لم تكن معلمة في المدرسة، ولا موظفة فيها، بل كانت أمًا لثلاثة أبناء تخرجوا منها منذ سنوات وحين سألها أحد الصحفيين عن سبب وجودها، أجابت ببساطة: إذا انتظرنا أن يأتي أحد ليعيد لنا مدينتنا، فسوف يطول الانتظار لذلك بدأنا نحن.

لم تكن تلك المرأة تبحث عن بطولة، ولم تكن تعلم أن عدسات الكاميرات ستلتقط صورتها كانت تفعل ما اعتادت عليه آلاف النساء اللبنانيات في كل أزمة؛ أن يحملن ما يستطيعن حمله، وأن يبدأن العمل قبل أن تنتهي الأسئلة.

دور حيوي للمرأة اللبنانية في كل القطاعات

ربما لهذا يصعب الحديث عن لبنان دون الحديث عن المرأة اللبنانية فهي ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي في كثير من الأحيان القلب الذي يحافظ على نبضه عندما تتسارع الأزمات، والجسر الذي تعبر عليه الأسرة من مرحلة الخوف إلى مرحلة التماسك.

وعلى امتداد تاريخ لبنان، لم تكن المرأة حاضرة في المشهد بصفتها شاهدة على الأحداث فحسب، بل كانت شريكًا في صناعتها ففي البيوت، والحقول، والمدارس، والمستشفيات، والمصانع، والجامعات، والمراكز الثقافية، وجدت المرأة اللبنانية نفسها دائمًا أمام مسؤوليات تتجاوز حدود الدور التقليدي، خاصة كلما عصفت بالبلاد أزمة جديدة.

ولعل ما يميز تجربتها أنها لم تنتظر الظروف المثالية لتؤدي رسالتها، بل العكس

  • فعندما تتراجع الموارد، تكون أول من يعيد ترتيب ميزانية المنزل.
  • وعندما تتعطل المدارس، تصبح معلمة لأطفالها.
  • وعندما يمرض أحد أفراد الأسرة، تتحول إلى ممرضة لا تعرف التعب.
  • وإذا اضطر الزوج أو الابن إلى السفر بحثًا عن فرصة عمل، تحمل مسؤولية الأسرة كاملة، وهي تحاول أن تحافظ على شعور الجميع بالأمان.

أدوار خاصة في الظروف الاستثنائية 

إنها أدوار قد تبدو مألوفة، لكنها تصبح استثنائية عندما تؤدى وسط ظروف اقتصادية ومعيشية شديدة الصعوبة.

لقد مر لبنان في السنوات الأخيرة بأزمات متلاحقة أثرت في حياة ملايين المواطنين فقد أدى الانهيار الاقتصادي إلى تراجع القدرة الشرائية، وارتفعت معدلات الفقر، وازدادت الضغوط على الأسر.

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء كنّ من أكثر الفئات التي تحملت تبعات هذه الأوضاع، ليس فقط بسبب الأعباء الاقتصادية، بل أيضًا نتيجة تضاعف المسؤوليات الأسرية والاجتماعية.

لكن اللافت أن كثيرًا من النساء لم يكتفين بمواجهة الأزمة داخل المنزل، بل خرجن للبحث عن حلول.

ظهرت مشروعات منزلية صغيرة لصناعة المأكولات التقليدية، وتحولت المطابخ إلى ورش إنتاج، وعادت بعض الحرف اليدوية القديمة إلى الحياة، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة لتسويق منتجات تصنعها سيدات من مختلف المناطق اللبنانية.

لم تكن هذه المبادرات مجرد محاولة لتحسين الدخل، بل كانت إعلانًا بأن العمل، مهما كان بسيطًا، أفضل من الاستسلام.

المعنى الحقيقي للانتماء 

وفي القرى اللبنانية، ما زالت المرأة تشارك في مواسم الزيتون والعنب والتفاح، وتساعد في الحفاظ على الزراعة التي تمثل مصدر رزق لآلاف العائلات وبين أشجار الزيتون، لا تجمع الثمار فقط، بل تنقل إلى الأجيال الجديدة حكايات الأرض، وتعلمهم أن الانتماء لا يكتب في الأوراق الرسمية، بل يُزرع في التربة، ويُروى بالعمل والصبر.

أما في المدن، فتتجلى صورة أخرى للمرأة اللبنانية

  • الطبيبة التي تواصل عملها في المستشفى رغم نقص الإمكانات،
  • والمعلمة التي تبحث عن وسائل مبتكرة حتى لا ينقطع طلابها عن التعلم،
  • والصحفية التي تنقل الحقيقة من قلب الحدث،
  • والمهندسة التي تشارك في إعادة إعمار ما دمرته الكوارث،
  • والمتطوعة التي توزع الغذاء والدواء على الأسر المحتاجة.

وفي كل هذه الصور، لا تظهر المرأة باعتبارها بطلة خارقة، بل إنسانة تؤدي واجبها بصمت، مدفوعة بإحساس عميق بالمسؤولية تجاه أسرتها ومجتمعها.

ولعل من أجمل ما يميز المرأة اللبنانية قدرتها على الحفاظ على الحياة اليومية، حتى عندما تبدو الظروف غير طبيعية.

فقد تنقطع الكهرباء، لكنها تضيء المنزل بما تستطيع وقد ترتفع الأسعار، لكنها تبحث عن طرق تجعل الطعام يكفي الجميع وقد تضيق المساحة، لكنها تجعل البيت أكثر دفئًا بالمحبة والاهتمام.

إنها تمتلك قدرة نادرة على تحويل الإمكانات المحدودة إلى حياة تستحق أن تعاش لذا لا يمكن الحديث عن المرأة اللبنانية دون الإشارة إلى دورها الفاعل في المجتمع.

فبعد انفجار مرفأ بيروت، كانت النساء في مقدمة المبادرات التي قدمت الدعم النفسي للأطفال، وساهمن في إعداد الوجبات، وتنظيم حملات التبرع، وفرز المساعدات، وتنظيف المنازل والشوارع.

كما شاركن في مبادرات مجتمعية عديدة لمساندة الأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر دخلها.

ولم تكن هذه الروح وليدة لحظة واحدة، بل امتدادًا لثقافة اجتماعية ترى أن مسؤولية المجتمع لا تقع على مؤسسة واحدة، وإنما يتقاسمها الجميع.

تحديات تواجه المرأة اللبنانية 

من ناحية أخرى، تواجه المرأة اللبنانية تحديات كبيرة لا ينبغي تجاهلها فالأزمات الاقتصادية أثرت في فرص العمل، وازدادت الضغوط النفسية على كثير من الأمهات، كما أن الهجرة فرقت بين أفراد العديد من الأسر، وأصبحت بعض النساء يتحملن مسؤولية تربية الأبناء وإدارة شؤون المنزل في غياب الأزواج الذين يعملون في الخارج.

وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن النساء والفتيات يحتجن إلى مزيد من الدعم في مجالات الحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية، والتمكين الاقتصادي، خاصة في ظل استمرار الضغوط التي يعيشها المجتمع اللبناني.

ومع ذلك، فإن المرأة اللبنانية لا تعرف كيف تستسلم بسهولة ربما تبكي عندما تغلق باب غرفتها، لكنها تخرج بعد دقائق بابتسامة تطمئن بها أبناءها وربما تشعر بالخوف على مستقبلهم، لكنها لا تسمح لهذا الخوف أن يمنعها من مواصلة الطريق.

إنها تدرك أن الأطفال يتعلمون من أفعالها أكثر مما يتعلمون من كلماتها، لذلك تحاول أن تكون لهم صورة للأمل، حتى عندما تكون هي نفسها في أمسّ الحاجة إليه.

ومن اللافت أيضًا أن المرأة اللبنانية حافظت على دورها في حماية الهوية الثقافية للمجتمع.

فهي التي تحفظ وصفات الطعام التقليدية، وتنقل الأغاني الشعبية، وتروي الحكايات القديمة، وتعلم الأطفال العادات والتقاليد، وتزرع فيهم حب القرية، واحترام الكبار، والارتباط بالأرض بهذا تصبح حارسة لذاكرة الوطن، فهي لا تقل أهمية عن أي مؤسسة ثقافية.

حب الأسرة وحب الوطن

ولعل أجمل ما في المرأة اللبنانية أنها لا تفصل بين حب الأسرة وحب الوطن فعندما تعتني بطفلها، فإنها تعتني بمستقبل لبنان وعندما تعلم أبناءها قيم الصدق والعمل والتعاون، فإنها تبني مجتمعًا أكثر قدرة على مواجهة التحديات وعندما تتمسك بالأمل في أصعب الظروف، فإنها تمنح وطنًا كاملًا فرصة جديدة للنهوض.

قد لا تظهر أسماء كثير من هؤلاء النساء في كتب التاريخ، ولن تُقام لهن التماثيل، لكن بصماتهن موجودة في كل بيت عاد إليه الدفء بعد أزمة، وفي كل طفل أكمل تعليمه رغم الصعوبات، وفي كل أسرة استطاعت أن تبقى متماسكة رغم قسوة الأيام.

فالمرأة اللبنانية لا تحمل الوطن على كتفيها لأنها مطالبة بذلك، بل لأنها تؤمن أن الوطن يبدأ من البيت، وأن البيت يبدأ منها.

لهذا، كلما مر لبنان بعثرة جديدة، كانت المرأة أول من يلتقط ما تناثر من الأحلام، ويعيد ترتيبها بهدوء، ثم تمضي إلى الأمام وكأنها تقول للحياة: لن أمنحك فرصة أن تهزمي أسرتي، لأنني ما زلت أؤمن أن الغد يستحق كل هذا الصبر.

قد لا تُسمع ضوضاء الخطوات التي تخطوها المرأة اللبنانية كل يوم، لكنها الخطوات التي تحفظ توازن الأسرة، وتصون ذاكرة المجتمع، وتُبقي الوطن واقفًا، حتى في أكثر الأيام قسوة.

فلبنان، مهما أثقلته الجراح، يبقى وطنًا يكتب تاريخه بالحياة أكثر مما كتبته الحروب

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى