الصومالالمجتمع

عادات الزواج فى التراث الشعبى الصومالى تعكس الطقوس المتجذرة والهوية الإجتماعية

كتبت – د. هيام الإبس

يتميّز المجتمع الصومالي بثقافته العريقة وتقاليده الضاربة في عمق التاريخ، ويُعد الزواج من أبرز المناسبات التي تُظهر تماسك هذا المجتمع وقيمه الأصيلة، ولا يقتصر الزواج في الصومال على كونه ارتباطًا بين شخصين، بل هو مشروع جماعي يشارك فيه أفراد القبيلة والمجتمع، بما يعكس روح التضامن والتكافل بين الجميع، حيث تتخلل مراسم الزواج طقوس خاصة ونمط احتفالي يبرز مدى التقدير للأعراف القديمة، والتي وإن تغيّرت بعض تفاصيلها مع الزمن، إلا أنها ما زالت تحافظ على جوهرها في القرى والمدن وحتى في المهجر.

 طقوس متجذرة وهوية اجتماعية، حيث يمثل الزواج في التراث الشعبي الصومالي إحدى أهم الركائز الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع، إذ لا يُنظر إليه كعلاقة شخصية بين شاب وفتاة فحسب، بل كرباط اجتماعي يجمع أسرتين وعشيرتين، ويعكس منظومة متكاملة من القيم الدينية والقبلية المتوارثة.

وتستمر مراسم الزواج عادة لعدة أيام، تتخللها طقوس احتفالية تشمل الغناء والرقص الشعبي وإلقاء الشعر، مع فصل احتفالات الرجال عن النساء التزامًا بالأعراف التقليدية.

ويحظى الزواج بمكانة خاصة في المجتمع الصومالي، حيث يُعد واجبًا دينيًا وضرورة اجتماعية،  ويقوم اختيار الشريك غالبًا على التشاور بين الأسر، مع تفضيل الزواج داخل العشيرة بهدف الحفاظ على التماسك الاجتماعي وتقوية الروابط القبلية.

الاختيار والتعارف بضوابط تقليدية

تبدأ رحلة الزواج في الصومال بخطبة تقليدية تُعرف بـ”سُو دوونيس”، وهي أكثر من مجرد عرض زواج، بل تمثل تبادلًا للنيات الحسنة والتقدير بين العائلتين.

غالبًا ما يتم اللقاء الأول في بيت عائلة العروس أو في مكان مفتوح يرمز للصفاء والصدق، مثل ظل شجرة أو مجلس عام. يتقدم ممثلو العريس، وغالبًا من كبار السن والوجهاء، بطلب يد العروس مصحوبين بكلمات دعاء وتهنئة، مع إحضار بعض الهدايا الرمزية مثل القهوة والتمر والملابس التقليدية.  كما تُقدَّم هدية رمزية تُعرف بـ“الغباتي”، وغالبًا ما تضم مصحفًا أو أدوات تقليدية، في مشهد يعكس الاحترام والالتزام بالأعراف، وهذه هىٌ عادات الزواج في التراث الشعبي الصومالي.

 وتبدأ إجراءات الزواج بمرحلة الاختيار، حيث يستعين الشاب بأقاربه وأصدقائه للبحث عن شريكة مناسبة، وقد يضطر أحيانًا للسفر إلى مناطق أخرى، ويتم التعارف في إطار رسمي وبعلم الأسرتين، بما يضمن الاحترام المتبادل وحُسن التقدير، وهي خطوة أساسية قبل الانتقال إلى المراحل التالية.

العقد الشرعى والمهر

يُعقد الزواج وفق الشريعة الإسلامية بحضور الإمام والشهود، ويُحدد المهر باعتباره حقاً خالصًا للمرأة، وقد يكون المهر من الإبل أو الذهب أو المال، بحسب القدرة والعرف السائد، ويُعد هذا الجانب من أكثر المراحل قدسية في مراسم الزواج.

البهجة تتوزع على أيام

قبل يوم الزفاف، تقام سلسلة من الاحتفالات تُعرف باسم “غاف”، وتمتد لعدة أيام. في هذه الليالي تُغنى الأهازيج الشعبية وتُروى الأشعار عن الحب والوفاء وتاريخ العائلات، بينما تتجمع النساء في حلقات الرقص التقليدي.

و في ليلة الحناء، تحظى العروس باهتمام خاص حيث تُرسم نقوش دقيقة على يديها وقدميها باستخدام الحناء، وتُزين بملابس مزركشة تعكس جمال التراث.

 التقاليد تُتوّج بالاحتفال

يوم الزفاف في الصومال يُمثّل ذروة الفرح ومناسبة تُظهر فيها العائلة مدى كرمها. حيث يبدأ اليوم بعقد القران وفقًا للشريعة الإسلامية، في المسجد أو منزل والد العروس، ويحضره الشهود وأهل العروسين، بعد ذلك، تنتقل الاحتفالات إلى قاعة أو ساحة كبيرة، حيث تُقام الولائم وتُقدّم الأطباق التقليدية مثل الأرز المتبّل بلحم الجمل و”الباستو” (نوع من المعجنات المقلية)، وسط أجواء يغلب عليها الطرب الشعبي والرقص.

زي العروس والعريس.. رمز للهوية والانتماء

ترتدى العروس في حفل الزفاف زيًا تقليديًا يُدعى “ديراك” المصنوع من قماش شفاف وملون يُلف بطريقة فنية، ويُكمّل بطاقية الرأس المزينة والذهب، أما العريس، فيرتدي “ماكاويس” وسروال أبيض وقميص واسع، وأحيانًا يُزين جبهته بعصابة مزخرفة تُظهر انتماءه القبلي أو الفخري. هذه الأزياء ليست مجرد ملابس بل تمثّل هوية ثقافية وجمالية ضاربة في الجذور.

عادات الزواج بعد العرس.. أول أسبوع من الحياة الجديدة

وبعد انتهاء الزفاف، تنتقل العروس إلى بيت زوجها وسط احتفال صغير يُسمى “آرووس كا دنبيس”، حيث يتم الترحيب بها من قبل عائلة العريس. في الأسبوع الأول، تُعفى العروس من الأعمال المنزلية وتُكرم بالزيارات والهدايا من الجيران والأقارب، فيما يُقدّم العريس ما يُعرف بـ”هدية الأم” لوالدة العروس، تقديراً لدورها في التربية.

التحديات الحديثة والزواج في المهجر

تواجه العائلات الصومالية في دول المهجر تحديات كبيرة في تنظيم حفلات الزفاف، أبرزها اختلاف القوانين والضوابط الاجتماعية في الدول المضيفة. لكن بالرغم من ذلك، تحرص الجاليات على الحفاظ على روح الزفاف الصومالي، فتُقام حفلات مختلطة التقاليد، تجمع بين الطابع الغربي والتنظيم العصري مع الحفاظ على الطقوس الأساسية مثل العقد وتقاليد المهر والحناء.

عادات اندثرت وأخرى باقية

ومن العادات التي بدأت بالاختفاء تدريجيًا عادة “دومال”، التي كانت تُلزم أرملة الزوج بالزواج من شقيقه، وهي اليوم تُرفض على نطاق واسع نظراً لتعارضها مع حرية الاختيار. أما عادة “التحكيم القبلي” في حال فسخ الخطبة أو حدوث مشكلات قبل الزواج، فلا تزال حاضرة في بعض المناطق، حيث تُحل الخلافات عبر مجلس شيوخ من الطرفين.

صورة صادقة عن هوية راسخة

إن عادات الزواج في الصومال تُجسد قيماً عريقة تجمع بين الأصالة والدين والتقاليد الاجتماعية، وتعكس طبيعة المجتمع المتماسك الذي لا تزال الأسرة فيه تحتل المركز المحوري. وبينما يتغير شكل الزفاف الخارجي بفعل الحداثة، تبقى الروح الصومالية حاضرة في كل تفصيلة من تفاصيل الزواج، لتُثبت أن الأصالة يمكن أن تتجدد دون أن تُمحى.

وتعكس عادات الزواج في التراث الشعبي الصومالي هوية مجتمع يقوم على التضامن والاحترام والتكافل. فهي ليست مجرد احتفالات، بل نظام اجتماعي متكامل ينظم العلاقات بين الأفراد والعشائر، ويؤكد مكانة الزواج كأساس للاستقرار وبناء الأسرة، مع الحفاظ على التقاليد والانفتاح التدريجي على التغيير.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى