الشائعة في زمن الحرب: لماذا تنتشر أسرع من الصاروخ؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
في زمن الحروب، لا تكون السرعة حكرًا على الصواريخ فقط، بل تمتد إلى الكلمات… إلى خبر مجهول المصدر،
إلى صورة بلا سياق، إلى “معلومة” تنتقل من هاتف إلى آخر أسرع من أي وسيلة تقليدية.
الشائعة اليوم لم تعد مجرد خبر خاطئ،
بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في المشهد،
تؤثر، وتربك، وتعيد تشكيل وعي الجمهور في لحظات.
*السرعة قبل الحقيقة
في أوقات التوتر، يسابق الناس الزمن لمعرفة ما يحدث، لكن في هذا السباق، تتراجع قيمة التحقق، وتتصدر السرعة.
“انشر أولًا… تحقق لاحقًا” هذه القاعدة غير المعلنة أصبحت الوقود الحقيقي لانتشار الشائعات، ومع كل مشاركة، تكتسب الشائعة “مصداقية زائفة”، فكلما زاد انتشارها… بدا أنها حقيقية.
*الخوف… المحرك الخفي
الشائعة لا تنتشر فقط لأنها موجودة، بل لأنها تلامس مشاعر قوية.
الخوف، القلق، الترقب… كلها تجعل الإنسان أكثر استعدادًا لتصديق أي خبر يفسر ما يحدث.
في لحظة التوتر، لا يبحث العقل عن الدقة،
بل عن إجابة… أي إجابة.
*السوشيال ميديا: مسرّع الانتشار
المنصات الرقمية حولت كل مستخدم إلى ناقل محتمل للخبر، ضغطة زر واحدة كفيلة بأن تنقل الشائعة إلى مئات وربما آلاف الأشخاص.
الخوارزميات لا تفضّل الحقيقة، بل تفضّل ما يثير التفاعل، والمحتوى الصادم… ينتشر.
وهكذا، تتحول الشائعة من “معلومة فردية” إلى “رواية جماعية”.
*التكرار يصنع القناعة
أخطر ما في الشائعة ليس ظهورها،بل تكرارها، كلما تكررت، كلما أصبحت مألوفة، وكلما تحولت في ذهن البعض إلى “حقيقة”.
التكرار لا يثبت المعلومة، لكنه يثبتها في الوعي.
*بين الحق في المعرفة وخطر التضليل
الجمهور من حقه أن يعرف، لكن ليس على حساب الحقيقة، المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في فائض غير منضبط منها.
وهنا، يصبح التحدي: كيف نميّز بين ما يُقال… وما هو حقيقي؟
*كيف نحمي أنفسنا؟
في زمن الشائعة، الوعي هو خط الدفاع الأول: لا تشارك قبل أن تتحقق، لا تنجرف وراء العناوين المثيرة، لا تثق في كل ما يُتداول بسرعة
أحيانًا، أكثر قرار مسؤول… هو “عدم المشاركة”.
وختاماً..
المعركة الخفية في الحروب الحديثة، قد لا ترى كل ما يحدث في الميدان، لكن يمكنك أن ترى تأثيره في العقول.
الشائعة لا تدمّر مباني، لكنها قد تزعزع مجتمعات… ولهذا، فإن أخطر ما في زمن الحرب ليس فقط ما يُطلق من السماء، بل ما ينتشر على الشاشات.




