الصراط المستقيم

احذرو فخ التواكل وعبودية الأسباب: مفهوم القدر والتوكل الحقيقي

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي 

من أكثر الأشياء التي تُربك الإنسان أنه يظن أن الإيمان بالقدر يعني الجلوس وانتظار الذي سيحدث ….. يجلس طويلا، يضع يده على خده، وينظر إلى الحياة وهي تمر أمامه، ثم يقول: “إذا كتبها الله ستأتيني”…

 وظيفة…!  إذا أرادها الله ستأتي.

زواج …!  إذا كان مُقدّرا سيحدث.

شفاء من مرض أو التخلص من وزن زائد..! إذا شاء الله سأتعافى.

نجاح في الدراسة أو في العمل أو في أي مهمة… ! رزقي سيأتيني…

ثم تمر السنوات… ولا يأتي شيء….. ليس لأن الله منعه، بل لأنه اختار أن ينتظر الثمرة دون أن يزرع الشجرة….

وفي المقابل هناك إنسان آخر يعيش الطرف النقيض تماما….

يركض منذ الصباح حتى آخر الليل، يخطط، يحسب، يرهق نفسه، يعبد التفاصيل الصغيرة، ويظن أن  شؤون حياته كلها في يده، وتحت سيطرته… وأن كل التوقعات محسوب حسابها وتم وضع خطة ( ب) وخطة (د)  وأن الأسباب وحدها تصنع المعجزات…!

فإذا خسر وظيفة انهار….

إذا تأخر زواجه اختنق….

إذا فشل مشروعه سقط….

لماذا؟

– لأنه جعل السبب أكبر من المسبّب…. وهنا تبدأ واحدة من أكثر المعضلات قسوة في حياة البشر ….

الناس لا تسقط فقط لأنها لا تعمل… بل تسقط أحيانا لأنها تعمل وهي تعتقد أن العمل وحده إله النتائج…..

الإسلام لم يأتِ ليصنع إنسانا كسولا ينتظر عطايا السماء، ولا إنسانا يُعلّق قلبه بالأسباب حتى ينسى صاحب الأسباب.

جاء الإسلام العظيم ليقول شيئا شديد العمق:

– اعمل كأن الأسباب كل شيء… وتوكل كأن الأسباب ليست شيئا.

دعونا نتأمل حياتنا اليومية….

كم من شاب حفظ مقاطع التحفيز كلها، وتحدث عن الثقة بالنفس، وعلّق الأحلام على جدران غرفته، لكنه لم يرسل سيرة ذاتية واحدة لأي جهة ؟

وكم إنسانا جلس سنوات يشتكي الفقر وهو لم يطرق بابا جديدا، ولم يتعلم مهارة، ولم يتحرك خطوة؟ ثم يقول: “هذا قدري” … !

لا…هذا ليس الرضا بالقدر… هذا في أحيان كثيرة هروب من مسؤولية السبب…

وفي الجهة الأخرى:

كم إنسان راجع التحاليل عشرين مرة، وقرأ ألف مقال طبي، وزار عشرات الأطباء، حتى أصبح قلبه متعلقا بالأجهزة والأرقام أكثر من تعلقه بالله؟

وكم  من أبٍ أنهك نفسه في جمع المال حتى ظن أن أبناءه سيكبرون صالحين تلقائيا لأن الحساب البنكي ممتلئ ولأنه لم يُقصّر معهم؟

وكم أُمٍّ قضت عمرها ترتب حياة أولادها بدقة شديدة، ثم انهارت حين اكتشفت أن النتائج لا تسير دائما كما تريد وتشتهي؟

لأن الإنسان ينسى شيئا موجعا جدا:

الأسباب ليست مفاتيح تفتح الأبواب دائما…بل هي مجرد طرق تطرق بها الباب.

أما الفتح… فمن الله وحده …

ولذلك كان من أعظم ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما فر من أرض الطاعون: “نفر من قدر الله إلى قدر الله.”

يا لها من عبارة مدهشة…. كأنها تقول لك:أنت لا تخرج من القدر حين تأخذ بالأسباب… بل أنت تتحرك داخل القدر نفسه…

الدواء قدر

والمرض قدر

والشفاء قدر

والطبيب قدر

وحتى الخطوة التي خرجتَ بها من بيتك… قدر…

ولذلك كان النبي ﷺ، وهو أكمل الناس توكلا، يلبس الدرع في الحرب، ويختبئ في الغار، ويأخذ الدليل في الهجرة..

لأن التوكل ليس إلغاء للأسباب…بل إلغاء لعبودية الأسباب….

وهنا تأتي أكثر لحظة مؤلمة في حياة الإنسان:

أن يبذل كل شيء… ثم لا تأتي النتيجة….

تدرس ولا تنجح….

تتزوج ولا تستقر ….

 تتعالج ولا تُشفى سريعا….

تدعو ولا ترى الإجابة الآن….

وهنا ينكسر كثيرون…… ليس لأن الطريق صعب…بل لأنهم اعتقدوا أن السبب وعدٌ بالنتيجة….. بينما الحقيقة أن الله لم يعدك بالنتائج دائما…وعدك بالأجر على السعي…

﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ ولم يقل: إلا ما حصل عليه….  هناك فرق هائل بينهما…..

لهذا ربما كانت الطيور هي أعظم درس في هذا الباب….

قال رسول الله ﷺ:”لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خِماصا وتروح بطانا” لم يقل: تبقى في أعشاشها…. تغدو أي تخرج.،،، تطير…. تبحث…. تسعى….. ثم تعود ممتلئة…..

فالسماء لا تمطر خبزا في أفواه المُنتظرين….

ربما ليست المشكلة أن الناس لا تفهم القدر….

المشكلة أنهم يريدون استخدام القدر أحيانا ليبرروا خوفهم، أو كسلهم، أو هروبهم، أو حتى غرورهم…..

بينما المؤمن الحقيقي يمشي في الحياة وهو يحمل حقيقتين معا:

يبذل كل ما يستطيع…ثم ينام آخر الليل مطمئنا، لأنه يعلم أن الكون كله بيد الله…

وهذه الطمأنينة وحدها… قد تكون أجمل رزق يناله الإنسان.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى