فاتح أفريقيا الجديد (16) الأمل… حين يصبح قرارًا لا شعورًا

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في إحدى رحلاته إلى مناطق المجاعة في إفريقيا، روى الدكتور عبد الرحمن السميط مشهدًا ظل عالقًا في ذاكرته طويلًا كان الجفاف قد ضرب القرية بقسوة، والوجوه تحمل ذلك التعب الصامت الذي لا يحتاج إلى شرح. الأطفال هزيلون، والماء يُجلب من مسافات بعيدة، والمرض يتحرك في المكان بسهولة مخيفة.
وسط هذا المشهد، لاحظ امرأة إفريقية تُحضّر الطعام لأطفالها لم يكن الطعام كافيًا، ولا الحياة نفسها تبدو مطمئنة، ومع ذلك كانت تتعامل مع يومها بهدوء غريب.
سأل عنها، فقيل له إنها فقدت عددًا من أبنائها بسبب المجاعة والمرض، ومع ذلك تستيقظ كل صباح، وتواصل الحياة، وكأن داخلها شيئًا يرفض الاستسلام.
فلسفة الأمل والإصرار عند عبد الرحمن السميط
هذه اللحظة لم تُدهشه فقط… بل غيّرته
هناك أدرك أن الأمل ليس دائمًا شعورًا جميلًا، ولا حالة رومانسية كما نحب أن نصفها من بعيد.
أحيانًا يكون الأمل مجرد قرار عنيد… بأن تستمر.
الأمل ليس إحساسًا يأتي من تلقاء نفسه، بل اختيار يُتخذ كل يوم، خصوصًا حين لا توجد أسباب كافية له.
في إفريقيا، كان الأمل عملة نادرة ليس لأن الناس لا يريدونه، بل لأن الواقع نفسه كان يقاومه.
الجوع، والمرض، والفقر، والحروب، والخذلان الطويل… كلها كانت تقول للإنسان: لا جدوى.
لكن عبد الرحمن السميط لم يكن حالمًا ساذجًا، ولا رجلًا يعيش على الأوهام.
كان واقعيًا جدًا وربما لهذا بالذات… اختار الأمل.
لأنه فهم مبكرًا أن التشاؤم لا يحتاج شجاعة الواقع وحده كافٍ ليقودك إليه أما الأمل، فيحتاج قرارًا يوميًا بأن لا تستسلم لما تراه عيناك فقط.
الأمل عنده لم يكن انتظار معجزة، ولا تعليق الحياة على حدث استثنائي سيأتي يومًا ما.
كان إصرارًا على الفعل… حتى في غياب الضمانات.
حين تبني مدرسة، وأنت لا تعرف كم ستصمد، وحين تحفر بئرًا، ولا تدري هل سيكفي الماء لعام أم أعوام، ثم تفعل ذلك على أي حال… فهذا هو الأمل الحقيقي.
الأمل ليس إنكارًا للألم، بل رفضًا أن يكون الألم هو الكلمة الأخيرة.
هنا يكمن الفرق الكبير
بعض الناس يظنون أن المتفائل هو من لا يرى المأساة، لكن السميط كان يرى المأساة كاملة،
بتفاصيلها القاسية، وبرائحتها الثقيلة، وبأرقامها المخيفة ومع ذلك… لم يتوقف.
لأنه كان يرى أن اليأس، في كثير من الأحيان، نوع من الترف.
ترف لا يملكه من يعيش وسط المعاناة الحقيقية.
اليائس ينسحب، أما الذي لا يملك خيارًا آخر… فيتشبث بالأمل لأنه ضرورة للبقاء ولهذا، كان الأمل الذي عاشه السميط مختلفًا.
لم يكن صاخبًا، ولا مليئًا بالشعارات، ولا قائمًا على الكلمات الكبيرة كان هادئًا… لكنه مُلح.
أمل يشبه الفعل المتكرر، لا الحماس المؤقت.
قوة الإنسان الحقيقية
كان يقول بسلوكه، لا بخطاباته: طالما هناك إنسان واحد يمكن مساعدته، فما زال للأمل معنى.
وهذه الفكرة وحدها كافية لتغيير طريقة رؤيتنا للحياة لأننا غالبًا نربط الأمل بالنتائج، بينما ربطه هو بالمحاولة.
نحن نريد ضمانات قبل أن نتحرك، أما هو فكان يتحرك… ثم يترك النتائج لله.
وهنا تظهر قوة الإنسان الحقيقية.
ليس حين يضمن النجاح، بل حين يستمر رغم احتمالية الفشل.
الأمل، كما عاشه عبد الرحمن السميط، لم يكن وعدًا بنهاية سعيدة، بل تعهّدًا بألا يتوقف قبل أن يحاول.
ربما لا نستطيع إزالة كل الألم من هذا العالم، ولا إنهاء كل المآسي، ولا إنقاذ الجميع.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث… أن نقتنع أن المحاولة بلا قيمة.
ماذا كان يملك السميط ؟
عبد الرحمن السميط لم يكن يملك حلولًا سحرية، لكنه كان يملك شيئًا أندر بكثير:
القدرة على الاستمرار دون أن يفقد إيمانه بقيمة ما يفعل وهنا الدرس الحقيقي.
الأمل ليس أن ترى الطريق واضحًا بالكامل، بل أن تخطو… رغم الضباب.
ليس أن تضمن النتيجة، بل أن ترفض الاستسلام.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه إنسان وراءه، ليس مشروعًا، ولا اسمًا، ولا رقمًا ضخمًا… بل هذا الشعور الصامت أن العالم، مهما اشتد قسوة، ما زال يستحق أن نحاول لأجله.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية



