أراء وقراءات

سطوة الخوارزميات.. المنصات لا تعرض العالم كما هو بل تختار نسخة مفلترة 

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات لعرض المعلومات أو تسهيل التواصل، بل تحولت إلى بيئات ذكية تُعيد تشكيل ما نراه ونسمعه ونفكر فيه. فكل ما يظهر أمام المستخدم اليوم — من الأخبار، إلى الفيديوهات، إلى الآراء المتداولة — لم يعد عشوائيًا، بل يُنتقى بعناية عبر خوارزميات معقدة تقرر ما الذي يستحق أن يصل إلينا، وما الذي يجب أن يبقى خارج مجال رؤيتنا.

وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل نحن نرى العالم كما هو فعلًا؟ أم أننا نرى نسخة مفلترة صممتها المنصات لكل فرد على حدة؟

*من عرض المحتوى إلى صناعة الإدراك

تعتمد المنصات الرقمية على الخوارزميات لتحليل سلوك المستخدم: ماذا يشاهد؟ ما الذي يضغط عليه؟ ما نوع الأخبار التي يقرأها؟ وما القضايا التي يتفاعل معها؟

وبناءً على ذلك، تبدأ المنصة في تقديم محتوى يشبه اهتماماته، ويؤكد تفضيلاته، ويزيد من احتمالية بقائه داخل التطبيق لفترة أطول.

لكن الخطورة لا تكمن فقط في “تخصيص المحتوى”، بل في أن هذا التخصيص قد يتحول تدريجيًا إلى إعادة تشكيل الإدراك نفسه… فالمستخدم لا يرى كل الآراء، بل الآراء الأقرب إليه، ولا يتابع كل القضايا، بل ما ترجّحه الخوارزمية على أنه “مناسب له”.

ومع الوقت، يصبح العالم الرقمي الذي يراه أشبه بواقع خاص، لا يعكس الحقيقة الكاملة، بل نسخة منتقاة منها.

*الفقاعة الرقمية: عندما يحاصر الإنسان بأفكاره

هذا ما يعرف بـ الفقاعة المعلوماتية؛ حيث تحاصر الخوارزميات المستخدم بمحتوى يشبه قناعاته، فيشعر أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها، وأن الرأي المخالف أقل حضورًا أو حتى غير موجود.

وهنا لا تتوقف المسألة عند الراحة النفسية أو التفضيلات الشخصية، بل تمتد إلى تشكيل المواقف السياسية والاجتماعية والثقافية.

فالمنصة لا تقول للمستخدم صراحةً ماذا يصدق… لكنها قد تحدد له بشكل غير مباشر ما الذي يراه أصلًا.

*هل تصنع الخوارزميات الرأي العام؟

في السابق، كان تشكيل الرأي العام مرتبطًا إلى حد كبير بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، أما اليوم، فقد أصبحت الخوارزميات شريكًا خفيًا في هذه العملية.

فترتيب الأخبار، إبراز موضوعات معينة، دفع محتوى دون غيره، وصناعة الترندات الرقمية… كلها أدوات قادرة على توجيه النقاش العام، وإبراز قضايا، وتهميش أخرى.

وهكذا لم تعد المنصات مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبحت طرفًا يشارك في تشكيل زاوية النظر إلى الواقع.

*بين الحرية الرقمية والتوجيه الخفي

المفارقة أن المستخدم يشعر بحرية واسعة داخل المنصة، بينما كثير مما يراه يخضع لانتقاء غير مرئي، فالخوارزمية لا تفرض رأيًا مباشرًا، لكنها تصنع بيئة قد تُعزز الانحياز، وتُضعف التنوع، وتعيد تشكيل القناعات بهدوء شديد.

ومع اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن نختار ما نراه… أم أن ما نراه هو ما اختارته الخوارزميات لنا؟

وختاماً…الخوارزميات تؤثر في الإدراك وتعيد بناء الأولويات

لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى، بل تحولت إلى قوة رقمية تؤثر في الإدراك، وتعيد بناء الأولويات، فالعالم الذي يظهر على شاشاتنا قد لا يكون العالم الحقيقي بالكامل، بل نسخة مصممة بعناية لتناسب كل مستخدم على حدة.

ويبقى السؤال الأهم: هل نستخدم المنصات الرقمية،  أم أن الخوارزميات أصبحت تستخدم وعينا لصناعة واقع نراه كما تريد؟

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى