الصراط المستقيمأراء وقراءات

في ظلال رحلة المعراج الكونية (9) حشود الحج وحشود الحساب

بقلم د. سعد كامل

 

في رحاب الإيمان ومحطات العبادة المتنوعة، تتجلى حكمة الخالق سبحانه وتعالى في تجميع عباده في مواطن طاهرة شتى. وفي هذه القراءة الفكرية للدكتور سعد كامل، نسلط الضوء على فلسفة الحشود الإيمانية وتدرجها الإلهي في الدنيا كتمهيد وتذكير بالحشد الأكبر يوم القيامة، مستعرضا عظمة يوم عرفة والمظاهر الروحانية التي تربط الفاني بالباقي.

أ‌)     حشود متتابعة: ينادي  المؤذن للصلاة حول العالم خمس مرات كل يوم، فنرى جموع المصلين تهرع إلى المساجد لأداء الصلاة، ويجتمع عدد أكبر من المسلمين كل يوم جمعة لأداء الفريضة في مسجد الحي، فهذا حشر صغير إسبوعي، ويكون اجتماع الجمعة أكبر من الاجتماع للصلوات اليومية، وقد يجتمع المسلمون خلال العام مرات قليلة لصلوات متعددة مثل: صلاة التراويح، وصلاة الاستسقاء، وصلوات الخسوف والكسوف، وصلاة العيدين، فكل هذه الصلوات تعتبر اجتماعات في صورة حشد أكبر من اجتماع الجمعة، لذلك يؤدى بعضها في مصلى العيد بالخلاء، ومن الممكن أن يؤدي المسلم فريضة الحج إذا استطاع إليه سبيلا، وهناك في مكة المكرمة على جبل عرفات يجتمع الحجيج لأداء ركن الحج الأكبر، وفي ذلك الموقف يجتمع أفواج من المسلمين يتراوح عددهم بين 3 إلى 5 مليون سنويا… فهذا حشد أكبر من الحشود المذكورة أعلاه.

ب‌)   الكرم الإلهي في قبول أعمال الحجيج: ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة)) رواه مسلم، وفي رواية ابن حبان من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء)) وفي رواية: ((إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته، فيقول: يا ملائكتي، انظروا إلى عبادي، قد اتوني شعثا غُبراً ضاحين))، فلا يعرف أحد من المشتركين في حشود تلك العبادات هل سيقبل الله منه لأنه من المقبولين؟ أم أن الله تعالى سيقبله مع المقبولين الذين جاء معهم؟

جاء في كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي رحمه الله: ويروى عن علي بن موفق قال: حججت سنة فلما كان ليلة عرفة نمت بمنى في مسجد الخيف فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر فنادى أحدهما صاحبه: يا عبد الله فقال الآخر: لبيك يا عبد الله “قال: أتدري كم حج بيت ربنا عز وجل في هذه السنة? قال: لا أدري قال: حج بيت ربنا ستمائة ألف، أفتدري كم قبل منهم? قال: لا، قال: ستة أنفس، قال: ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعاً واغتممت غماً شديداً وأهمني أمري فقلت: إذا قبل حج ستة أنفس فأين أكون أنا في ستة أنفس? فلما أفضت من عرفة قمت عند المشعر الحرام فجعلت أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم؛ فحملني النوم فإذا الشخصان قد نزلا على هيئتهما؛ فنادى أحدهما صاحبه وأعاد الكلام بعينه ثم قال: أتدري ماذا حكم ربنا عز وجل في هذه الليلة? قال: لا، قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف، قال: فانتبهت وبي من السرور ما يجل عن الوصف (إحياء علوم الدين).

ج) حشر الخلق جميعا يوم القيامة: نحمد الله الذي جعلنا نتعبد له سبحانه وتعالى -وهو الغني عن عبادتنا-، جعلنا نؤدي العبادات في جماعات تتدرج من عدد قليل في الصلوات المفروضة، ثم يزيد العدد في صلاة الجمعة الإسبوعية، ثم يزداد العدد في مسجد المدينة أو مصلى العيد وفي غيرها من الصلوات السنوية أو التي تتكرر مرات قليلة سنويا، ثم يزداد الحشد كثيرا في مناسك الحج. لذلك يأتي البعث ومن بعده الحشر للحساب كاجتماع وحيد بعد انقضاء الحياة الدنيا، ياتي في يوم القيامة، ويُحشر فيه جميع الخلائق من المكلفين منذ بدء الخلق إلى أن تقوم الساعة، فهذا هو الحشر الأكبر، حيث يُبعث الثقلين جميعا وغيرهم ممن أراد الله أن يبعثوا، وفي هذا اليوم لن يتكلم إلا من أذن له الرحمن سبحانه وتعالى، ويؤتى كل فرد كتابه ثم ينتقل على الصراط فإما أن ينجو وإما أن يهوي في الجحيم… فما أرحمك  يا ربنا، خلقتنا فهديتنا إلى طريق الحق المبين، وجعلت علينا ملائكة كتبة يكتبون أعمالنا، وملائكة حفظة يحفظوننا من المخاطر، وملائكة خزنة للجنة والنار، وأرسلت إلينا بالرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.

فاللهم سَلِّمْنَا في يوم الدين واحفظنا من النار أجمعين…. آمين.

 د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى