نظام الميديوقراطية..عندما يسيطر الأشخاص التافهين على مقدرات الأمور

بقلم – مدحت مرسي
يعيش المجتمع المعاصر أزمة بنيوية حادة تتجلى في سيطرة الأشخاص التافهين على مقدرات الأمور؛ وهو نظام مشوه خلقته تلك الأشكال والأنماط التافهة نفسها لضمان استمراريتها. إن هذا التحول الخطير لا يمر عابرًا، بل يترك ندوبًا عميقة في جسد المجتمع، حيث تُستبعد القيم الإنسانية والأخلاقية من الاعتبار كليًا، ويُختزل النشاط العام بأسره إلى حسابات ضيقة ومصالح مادية ومعنوية نفعية بحتة.
كيف يصاب الجسد الاجتماعي بالفساد البنيوي؟
عندما تترسخ هذه السيطرة، يصاب الجسد الاجتماعي بحالة من الفساد البنيوي الشامل، ويفقد الناس تدريجيًا اهتمامهم بالشأن العام وقضايا مجتمعهم المصيرية. هذا التآكل القيمي والاجتماعي يظهر بوضوح شديد في ثلاثة مناحي رئيسية تحكم تفاصيل حياتنا اليومية:
-
اللغة التي نستخدمها: والتي تراجعت لتصبح أداة للتزييف بدلاً من التواصل.
-
المؤسسات التي نعتمد عليها: والتي أصبحت تخدم مصالح ضيقة بدلاً من الصالح العام.
-
الاقتصاد الذي يحكمنا: والذي تحول إلى منظومة مادية جافة تجرد الإنسان من إنسانيته.
“اللغة الخشبية”.. الضجيج الجوف الذي يقتل الحقيقة
من أبرز إفرازات هذا النظام ما يُعرف بـ “اللغة الخشبية”، وهي لغة جوفاء محمّلة بالتكرار “التوثولوجي” الممل، والنطق بتحصيل الحاصل الذي لا يضيف شيئًا جديدًا إلى وعي المستمع. إن الهدف الأساسي من هذه اللغة يتلخص في:
-
إفراغ الخطاب العام من مضمونه الحقيقي، وتحويله إلى مجرد ضجيج لا معنى له.
-
استخدام العبارات الفضفاضة لإخفاء الحقيقة أو التهرب من الإجابة المباشرة.
-
تمرير الوقت والواجهات الاجتماعية دون تقديم أي مضمون حقيقي أو التزام فعلي.
باختصار شديد: عندما تسمع أحدًا يتحدث لمدة نصف ساعة كاملة كلامًا منمقًا وجميلاً، وتخرج من حديثه وأنت تسأل نفسك حائرًا: “ماذا قَبَضْتُ من هذا الكلام؟”… فاعلم يقينًا أنك كنت تستمع إلى لغة خشبية.
خارطة طريق لحماية الذات والوعي
أمام هذا الزحف العبثي، يصبح النضج الإنساني هو طوق النجاة. فالإنسان الناضج والمستقيم لا يحتاج إلى “لغة الخشب” ليبرر للآخرين أنه شخص طيب، بل يكفيه تمامًا الحفاظ على أسلوبه المهذب في التعامل. ولتحصين نفسك في هذا الزمن، إليك خارطة طريق واضحة:
-
حافظ بقوة على أفعالك، ومبادئك، وقيمك الأصيلة.
-
لا تستنزف طاقتك ونفسك في محاولة تصحيح انطباع سلبي طبعوه عنك عمداً.
-
تذكر دائمًا أنهم لا ينشغلون بمهاجمتك لأنك سيء، بل لأن وجودك وتفوقك يوقظ داخلهم شعورًا دفينًا بالعجز والنقص.
مدحت مرسي
كاتب وباحث وخبير تنمية بشرية
