أخبار العالم

نيجيريا تنجح فى تأهيل ودمج نحو 10 آلاف مقاتل من بوكو حرام

كتبت – د.هيام الإبس

في الوقت الذي تواصل فيه دول حوض بحيرة تشاد مواجهة تداعيات واحدة من أكثر الحركات المسلحة دموية في إفريقيا، أعلنت السلطات في ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا نجاحها في إعادة دمج ما يقرب من عشرة آلاف مقاتل سابق من جماعة بوكو حرام في المجتمع، ضمن برنامج حكومي لإعادة التأهيل ونزع التطرف، في خطوة تعكس تحولاً متزايدًا في استراتيجية مكافحة التمرد من الحلول العسكرية إلى المعالجات الاجتماعية والفكرية.

وجاء الإعلان خلال حفل أقيم في مدينة مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو، شهد تخريج 720 مقاتلًا سابقًا أنهوا مراحل التأهيل داخل أحد المراكز المتخصصة.

ووفقًا للسلطات المحلية، فإن هذه الدفعة رفعت إجمالي عدد المقاتلين السابقين الذين تمت إعادتهم إلى مجتمعاتهم إلى 9680 شخصاً منذ انطلاق البرنامج.

مساعٍ لإضعاف الجماعات المسلحة وتعزيز الاستقرار

ويُعد هذا المسار جزءًا من جهود أوسع تبذلها الحكومة النيجيرية لتشجيع عناصر الجماعات المتشددة على التخلي عن السلاح والاستسلام، في ظل استمرار العمليات العسكرية ضد الفصائل المسلحة المنتشرة في شمال شرق البلاد ومناطق حوض بحيرة تشاد.

وترى السلطات أن إتاحة فرصة العودة إلى الحياة المدنية يمكن أن تسهم في إضعاف الجماعات المسلحة عبر استنزاف قواعدها البشرية وتقليص قدرتها على التجنيد.

وخلال مراسم التخرج، أدى المشاركون قسماً رسمياً قبل الإعلان عن انتهاء فترة تأهيلهم، في مشهد أرادت السلطات من خلاله التأكيد على انتقالهم من مرحلة الصراع المسلح إلى الاندماج المجتمعي.

ويشمل البرنامج دورات فكرية ونفسية وتعليمية، إلى جانب تدريبات مهنية تهدف إلى توفير فرص عمل ومصادر دخل للمستفيدين بعد عودتهم إلى مناطقهم الأصلية.

غير أن هذا التوجه لا يخلو من الجدل داخل نيجيريا، إذ تبدي بعض المجتمعات المتضررة من هجمات بوكو حرام تحفظات على إعادة دمج مقاتلين سابقين دون ضمانات كافية للعدالة أو المساءلة، فالكثير من الأسر التي فقدت أبناءها أو تعرضت للنزوح ترى أن المصالحة يجب أن تترافق مع آليات واضحة لكشف الحقيقة وتعويض الضحايا، حتى لا تتحول برامج إعادة الإدماج إلى مصدر جديد للتوتر الاجتماعي.

ومنذ اندلاع تمرد بوكو حرام قبل أكثر من عقد، شهدت نيجيريا واحدة من أسوأ الأزمات الأمنية والإنسانية في القارة الإفريقية،  فقد أسفرت أعمال العنف عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، فيما اضطر ملايين المدنيين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى الدول المجاورة مثل النيجر وتشاد والكاميرون،  كما امتد تأثير الصراع إلى قطاعات الاقتصاد والتعليم والزراعة، وأدى إلى تراجع التنمية في مناطق واسعة من شمال شرق البلاد.

ورغم النجاحات العسكرية التي حققتها القوات النيجيرية خلال السنوات الأخيرة، فإن الجماعة وفصائل منشقة عنها ما تزال قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة تستهدف المدنيين والقوات الأمنية، خاصة في المناطق الريفية والنائية، ولذلك تنظر الحكومة إلى برامج إعادة التأهيل باعتبارها مكملاً للجهود العسكرية وليست بديلاً عنها.

وتحمل التجربة النيجيرية أهمية خاصة بالنسبة للقارة الإفريقية، حيث تواجه عدة دول تحديات مشابهة مرتبطة بالتطرف العنيف والنزاعات المسلحة.

فنجاح برامج إعادة الإدماج قد يقدم نموذجاً يمكن الاستفادة منه في دول أخرى تعاني من تمردات مسلحة، لكن نجاح هذا النموذج يبقى مرتبطاً بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والمصالحة والعدالة.

وبينما ترى السلطات في بورنو أن إعادة دمج آلاف المقاتلين السابقين تمثل خطوة مهمة نحو إنهاء أحد أكثر الصراعات دموية في إفريقيا، فإن الاختبار الحقيقي سيظل في قدرة هؤلاء العائدين على بناء حياة جديدة داخل مجتمعات ما زالت تحمل آثار سنوات طويلة من الحرب والعنف، وفي قدرة الدولة على تحويل المصالحة من إجراء إداري إلى سلام مستدام يعالج جذور الأزمة ويمنع عودتها مستقبلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى