الصراط المستقيم

“على نياتكم ترزقون” كيف تُشكل نوايانا الخفية جودة حياتنا؟

بقلم التربوي  – الشيخ محمد عرفة البهادي 

من الأخطاء الشائعة التي تغلغلت في منظومة تربيتنا الدينية والاجتماعية، وكان لها أثر سيء كبير في معاناتنا، هي الاعتقاد بأننا إذا نوينا بعمل شر أو أذى لأحدهم وحالت الظروف دون تنفيذه، فإنه لن يُكتب لنا سيئة ولن ينالنا أثر ذلك السوء. وكان يُقال لنا بصراحة إن هذا من باب رحمة الله، تماماً كما يُكتب للمرء حسنة إذا نوى الخير ومنعته الظروف. هذا الفهم السطحي رسّخ في النفوس أننا مسؤولون فقط عما يظهر من سلوكنا الخارجي، أما باطننا وما يعج به من كره، أو حقد، أو مكائد، فهو راكد لا يضر ما لم يُترجم إلى أفعال، وهو مفهوم خاطئ يبعدنا تماماً عن جوهر الدين الحقيقي.

حقيقة المحاسبة على النوايا وتغيير ما بالأنفس

إن القول بأننا لا نُحاسب ولا نتأثر بنوايانا الباطنية غير صحيح على الإطلاق؛ فكيف يستقيم هذا وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. وتغيير ما بالأنفس هو النوايا وحال الإنسان الباطني من محبة، ورضا، وتسليم.

كذلك أخبرنا سبحانه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، ولا يمكن للمرء أن يحقق التقوى وقلبه يكيد للناس سوءاً، فالتقوى أساسها محبة الله، والمحبة لا تتجزأ. وقد أكد نبينا الأكرم -صلى الله عليه وسلم- هذا الأصل الأصيل بقوله: “إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى”.

خطورة الشخصية الانفصامية والابتعاد عن جوهر الدين

إن هذه المفاهيم المغلوطة المزروعة في مجتمعاتنا أنتجت شخصية انفصامية مهلهلة؛ تتعبد الله في الظاهر وتكيد للمحيطين بها في الباطن. إن رحمة الله الكبيرة لا تتماشى مع هذا التلوث القلبي؛ بل تتجلى الرحمة حين يكون الإنسان متوحداً وصادقاً في اتصاله مع الخالق بنفَسٍ طيبة ونقية.

تذكروا دائماً أن هذا الكون لا يبارككم ولا يلعنكم، بل يعكس عليكم ذبذباتكم التي هي في الأصل نواياكم الباطنية.

المفهوم الشامل لـ “الطيبون للطيبات” والرزق الحقيقي

إن الآية الكريمة: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} تترجم عملياً أدق القوانين التي وضعها الله في الكون؛ وهي قوانين لا تحابي أحداً، بل تضع المقياس الحقيقي في جهاد النفس لتطهيرها بالحب والخير. ولا يقتصر مفهوم الآية على الأزواج وشريك الحياة فقط كما فسرها الكثيرون، بل يمتد ليشمل كل ما نعيشه ونواجهه في الحياة.

وختاماً.. همسة قلية:

إن عدم التوفيق في فعل السوء يكون رحمة حقيقية من الله فقط حين نتوب باطنياً عن تلك النوايا السيئة، ونحمد الله على عدم تيسير الفعل؛ مدركين تماماً أنه “على نياتكم ترزقون”. والرزق هنا ليس مالاً فحسب، بل إن سلام أنفسنا وطهارتها هو أول وأجمل الأرزاق. رزقنا الله وإياكم أجمل النوايا، وملأ نفوسنا بسلام يغبطنا عليه أهل الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى