الروسية “إيرينا” تحول صحراء مصر إلى بنك بذور حي لحماية النباتات النادرة

كتبت – عزة السيد
لطالما كانت الطبيعة والبيئة جزءاً لا يتجزأ من حياة الخبيرة الروسية إيرينا سبرينغل، والتي بدأت علاقتها الفريدة بالنباتات منذ نعومة أظفارها في الاتحاد السوفييتي السابق حيث صقلت شغفها بدراسة جامعية متخصصة. لكن القدر قادها لتصبح واحدة من أبرز الأصوات المدافعة عن الحياة الفطرية والحفاظ على التنوع البيولوجي في بيئة مغايرة تماماً، وهي مصر، بعد أن وقعت في حب الطبيعة الصحراوية الساحرة، لتثمر هذه الرحلة الممتدة عن تأسيس حديقة نباتية استثنائية في قلب منتجع “وادي صباره” بمدينة مرسى علم.
من 3 أصناف إلى 60 نوعاً.. قصة واحة نباتية فريدة في مرسى علم
في مقابلة خاصة مع موقع CNN بالعربية، تحدثت سبرينغل عن الحديقة التي يبلغ عمرها اليوم نحو ثمانية أعوام قائلة: “نحن الآن نزرع نباتات نادرة جداً يصعب العثور عليها”. وأوضحت أن الحديقة بدأت بثلاثة أصناف فقط من النباتات، لكنها باتت تضم اليوم أكثر من 60 نوعاً نادراً.
وتتنوع نباتات الحديقة بين أصناف زُرعت من بذور نادرة جُمعت من عمق الصحراء بعد جهد وعناء كبيرين، إلى جانب نباتات برية نمت بشكل طبيعي بعدما نقلت الرياح أو الطيور المهاجرة بذورها إلى أرض المنتجع، الذي يتميز بموقعه الجغرافي الساحر الواقع بين الصحراء الشرقية وسواحل البحر الأحمر.
أسرار البدو و”شجرة الهجليج” الفرعونية في العناية بالبشرة

شكلت المعرفة المحلية المكتسبة من بدو مصر الركيزة الأساسية التي اعتمدت عليها سبرينغل في تصميم حديقتها، نتاج عملها معهم لـ 20 عاماً خلال رحلاتها الاستكشافية. وعندما سألت البدو في بداية المشروع عن أول نبتة يجب البدء بزراعتها، كانت إجابتهم الفورية هي نبات “بلح اللالوب” أو ما يُعرف بـ “شجرة الهجليج”.
وتتميز هذه النبتة التاريخية بفوائدها المتعددة التي استغلها البدو قديماً من أوراق وثمار وأخشاب، كما استُخرجت منها زيوت عُثر على بقاياها داخل مقابر الفراعنة، حيث أشارت سبرينغل إلى أنه يُعتقد أنها استخدمت لأغراض التجميل. ولا يزال هذا الإرث ممتداً حتى يومنا هذا، إذ يستغل المنتجع هذه المعرفة البدوية لإنتاج مستحضرات طبيعية متطورة للعناية بالبشرة من هذه الزيوت الصحراوية الغنية.
“بنك بذور حي” لمواجهة تحديات الطبيعة وتعدين الذهب
رغم الأهمية التاريخية والبيئية لشجرة الهجليج، إلا أنها تواجه خطر الانحسار ولم تعد منتشرة على نطاق واسع في مصر. وبشكل عام، تواجه النباتات الصحراوية في القرن الحادي والعشرين تحديات بشرية وبيئية متعددة، من بينها التوسع الزراعي الجائر، ومشاريع شق الطرق العملاقة، بالإضافة إلى الآثار البيئية المترتبة على أنشطة استخراج الذهب في الصحراء الشرقية.
وهنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لحديقة وادي صباره، حيث وصفتها سبرينغل قائلة: “الحديقة التي لدينا اليوم تمثل بنك بذور حي”. وتوفر الحديقة ملاذاً آمناً ومحطة علمية تتيح للزوار والباحثين التعلم وجمع البذور، والمساهمة الفعالة في إعادة استعادة الموائل الصحراوية المتضررة، بدلاً من البحث لسنوات في الصحراء دون جدوى.
حماية التراث الطبيعي المصري في واحة وادي صباره
اختتمت الخبيرة الروسية حديثها بالـتأكيد على أن هذه الحديقة النباتية تُعد مكاناً فريداً من نوعه على مستوى العالم، نظراً لتركيزها الحصري والكامل على الحياة الفطرية والنباتات الصحراوية دون غيرها، معتبرة أن هذه النباتات التي تقاوم الجفاف وتنمو في قسوة الصحراء هي بمثابة “تراث مصري أصيل” وواجب وطني وبيئي يسعى الجميع لحمايته واستدامته للأجيال القادمة.