
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
شهادة عالمية تفتح ملف الثروات المنسية
في عام 2009، وقف الخبير الزراعي العالمي البروفيسور البريطاني توني آلان، الحائز على جائزة ستوكهولم للمياه، يتحدث عن الأمن الغذائي العالمي، فقال عبارة أثارت اهتمام كثير من الباحثين:
“لو استُثمرت الأراضي الزراعية في السودان بالشكل الصحيح، لأصبح السودان من أهم الدول القادرة على المساهمة في إطعام جزء كبير من العالم.”
لم تكن تلك مجاملة دبلوماسية، ولا خطاباً سياسياً عابراً.
كانت شهادة خبير أمضى سنوات طويلة يدرس موارد المياه والزراعة في العالم، ويعرف جيداً معنى أن تمتلك دولة ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وأنهاراً تمتد مئات الكيلومترات، وثروات معدنية هائلة، وموقعاً جغرافياً يجعلها بوابة بين إفريقيا والعالم العربي.
المفارقة المؤلمة بشأن السودان
لكن المفارقة المؤلمة أن السودان، الذي يراه كثير من الخبراء مشروع قوة اقتصادية كبرى، ما زال يعيش أزمات متلاحقة من الفقر والنزاعات وعدم الاستقرار.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه:
هل السودان مجرد دولة؟
أم أنه قارة كاملة تم تجميدها؟
حين تصبح الدولة أكبر من تعريفها
في الجغرافيا السياسية، يُصنَّف السودان باعتباره دولة مثل غيره من الدول.
لكن حين تنظر إلى مساحته الشاسعة، وتنوعه الطبيعي، وموارده الاقتصادية، وتركيبته البشرية، تشعر أن كلمة “دولة” تبدو أصغر من أن تحتوي كل هذا الاتساع.
السودان ليس مجرد قطعة أرض على الخريطة إنه عالم كامل فيه صحاري مترامية الأطراف وفيه أراضٍ زراعية من بين الأوسع في إفريقيا وفيه أنهار ومياه جوفية هائلة وفيه ذهب ونفط وحديد ومعادن نادرة وفيه ثروة حيوانية تُعد من الأكبر في القارة الإفريقية وفيه تنوع ثقافي وإنساني يكفي لصناعة عشرات التجارب التنموية المختلفة لهذا لا يبدو غريباً أن يصفه بعض الباحثين بأنه “قارة مصغرة“.
لكن هذه القارة ظلت لعقود طويلة تقف في مكانها، كأن أحداً ضغط على زر التجميد في لحظة ما، ثم تركها معلقة بين الإمكانات الهائلة والواقع المؤلم.
ثروات تكفي لصناعة معجزة
حين نتحدث عن السودان، فإننا لا نتحدث عن بلد فقير الموارد.
بل نتحدث عن بلد يملك تقريباً كل المقومات التي تبحث عنها الدول لبناء نهضتها.
- يمتلك ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة.
- ويمتلك نهر النيل بروافده المختلفة.
- ويمتلك ثروة حيوانية ضخمة.
- ويمتلك احتياطيات معتبرة من الذهب والمعادن.
- ويمتلك موقعاً استراتيجياً يربط إفريقيا بالشرق الأوسط والبحر الأحمر.
هذه ليست أمنيات أو أحلاماً نظرية إنها حقائق موجودة على الأرض.
لكن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الموارد كانت دائماً في غياب الإدارة التي تحوّل الموارد إلى تنمية فالثروة وحدها لا تصنع النهضة وإلا لكانت كل الدول الغنية بالموارد في مقدمة الأمم.
كيف يتجمد وطن غني؟
السؤال الأكثر إيلاماً ليس: لماذا السودان فقير؟
بل: كيف أصبح فقيراً رغم كل هذا الغنى؟
الجواب لا يكمن في عامل واحد، بل في سلسلة طويلة من التعقيدات صراعات سياسية متكررة انقلابات وحروب نزاعات داخلية استنزفت الإنسان والموارد فساد أضاع فرصاً تاريخية.
وتدخلات خارجية رأت في السودان مخزناً للثروات أكثر من كونه وطناً لشعب يستحق الحياة الكريمة.
كل حرب كانت تؤجل مشروعاً وكل أزمة كانت تسرق سنوات جديدة من عمر التنمية وكل صراع كان يستهلك ما بُني قبل أن يكتمل حتى أصبح السودان أشبه بعملاق يملك قوة هائلة لكنه مكبل اليدين.
السودان الذي يخيف بحجمه
ربما تبدو الفكرة قاسية، لكنها تستحق التأمل فبعض الدول لا تُعطَّل لأنها ضعيفة، بل لأنها قوية إذا نهضت.
السودان، بموقعه وثرواته وعدد سكانه وإمكاناته الزراعية والمعدنية، يملك مقومات تجعله لاعباً إقليمياً مؤثراً إذا استقرت أوضاعه.
لهذا يعتقد كثير من السودانيين أن بلدهم لم يكن ضحية أخطائه الداخلية فقط، بل ضحية مصالح متشابكة رأت أن بقاء السودان منشغلاً بأزماته أكثر فائدة من رؤيته مستقراً وقوياً.
قد يختلف الناس حول حجم هذا التأثير الخارجي لكن ما لا يختلف عليه أحد هو أن السودان دفع ثمناً باهظاً من عمره بسبب الصراعات التي أبعدته عن طريق البناء.
الإنسان السوداني… الثروة المنسية
وسط الحديث عن الذهب والنفط والزراعة، ينسى كثيرون أن أعظم ثروة في السودان ليست تحت الأرض، بل فوقها.
ذلك الإنسان الذي أثبت عبر العقود قدرة استثنائية على الصبر والتكيف والبقاء.
في الحروب يبني مطبخاً جماعياً لإطعام الجيران وفي النزوح يتقاسم ما يملك مع من يملك أقل وفي الغربة يحمل وطنه معه أينما ذهب.
هذه الروح هي الثروة الحقيقية التي لا يمكن تهريبها، ولا سرقتها، ولا تدميرها بالقذائف لهذا ظل السودان واقفاً رغم كل ما مر به.
قارة تنتظر أن تستيقظ
السودان اليوم لا يحتاج إلى معجزة فالمعجزة موجودة بالفعل في أرضه، ومياهه وثرواته وشعبه ما يحتاجه هو فرصة، فرصة للاستقرار وفرصة للعدالة وفرصة لإدارة موارده بعيداً عن السلاح والصراع.
فالقضية ليست أن السودان يفتقر إلى الإمكانات.
القضية أن هذه الإمكانات لم تحصل بعد على البيئة التي تسمح لها بالتحول إلى نهضة حقيقية لهذا يبقى السؤال مفتوحاً:
هل السودان دولة فقط؟
أم قارة كاملة تنتظر لحظة الاستيقاظ؟
ربما يكون الجواب في المستقبل لكن المؤكد أن هذا البلد، الذي أرهقته الحروب وأثقلته الأزمات، ما زال يحمل في داخله ما يكفي ليصبح قصة نجاح استثنائية.
وما زال النيل يجري في أرضه كما كان يجري منذ آلاف السنين.
وما زالت الشمس تشرق كل صباح على ملايين السودانيين الذين يؤمنون بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
فالقارات لا تموت قد تتعثر قد تُرهق قد تُجمَّد سنوات طويلة لكنها حين تستيقظ، تغيّر شكل التاريخ والسودان، رغم كل شيء، ما زال يملك حقه الكامل في أن يستيقظ.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








