الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (3)كأس العالم.. أكبر تجمع بشري خارج السياسة والاقتصاد

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في إحدى مباريات دور المجموعات، التقطت عدسات الكاميرات مشهداً عفوياً اجتاح العالم في ساعات قليلة؛ عقب صافرة النهاية، وبدلاً من المغادرة فوراً للاحتفال أو الحزن، أخرجت مجموعة من المشجعين اليابانيين أكياساً زرقاء وبدأوا في تنظيف المدرجات من المخلفات.
وفي الجهة المقابلة، كان مشجعون من السنغال، بأزيائهم الملونة التقليدية، يقومون بالفعل ذاته لم يكن هناك أي رابط لغوي أو ديني أو سياسي يجمع بين أبناء طوكيو وأبناء دكار بل مسافات شاسعة، وثقافات متباينة، وتاريخ لا يتقاطع إلا نادراً، ومع ذلك، توحدوا في سلوك حضاري راقٍ تحت سقف ملعب كرة قدم.
هذا المشهد ليس استثناءً عابراً، بل هو نافذة تطل بنا على جوهر بطولة كأس العالم، بوصفها المنصة الوحيدة على كوكب الأرض التي تنجح في جمع ملايين البشر فعلياً، ومليارات أخرى افتراضياً، في مساحة تتجرد من كل الحسابات الأيديولوجية المعقدة.
محراب الشغف المفتوح للجميع
لقد عرفت البشرية عبر تاريخها الطويل تجمعات كبرى؛ كالحشود الجماهيرية التي تتجمهر خلف زعيم سياسي، أو المواسم الدينية التي يحج إليها الملايين طلباً للسكينة الروحية لكن ما يميز التجمعات السياسية والدينية هو أنها “إقصائية” بطبيعتها؛ فهي تجمع من يتفقون على فكرة معينة، أو يعتنقون عقيدة محددة، وتستثني بالضرورة من يخالفهم.
أما كأس العالم، فهو التجمع البشري الأكبر الذي يفتح أبوابه للجميع دون شروط مسبقة في مدرجات المونديال، يتجاور الرأسمالي مع الاشتراكي، والمسلم مع المسيحي والبوذي واللاديني، واليميني المحافظ مع اليساري المتحرر لا تُطرح الأسئلة حول المعتقدات أو التوجهات السياسية عند بوابات التفتيش، بل يُكتفى بسؤال واحد يختزله قميصك أو وشاحك: “أي لون تشجع؟”.
إنها المساحة الوحيدة التي يتخفف فيها الإنسان الحديث من هوياته الفرعية الثقيلة، ليعود إلى فطرته الأولى: إنسان يبحث عن الفرح، والانتماء، ومشاركة المشاعر مع الآخرين.
تحييد الأيديولوجيا وصناعة المشترك الإنساني
تعمل السياسة، في كثير من الأحيان، على إبراز الاختلافات وتوظيفها لتحقيق مكاسب استراتيجية، بينما يعمل المونديال كـ “مُعادل موضوعي” يذيب هذه الفوارق عندما تستضيف دولة ما هذه البطولة، تتحول ساحاتها وميادينها العامة إلى مسارح مفتوحة تُحيّد فيها الأيديولوجيا تماماً.
ففي مناطق المشجعين (Fan Zones)، يمكنك أن ترى مشجعاً من دولة نامية يتقاسم طاولة الطعام مع مشجع من دولة صناعية كبرى يتبادلان الضحكات، يحاولان التواصل بلغة إشارة مبتكرة، ويلتقطان صوراً تذكارية سيعرضانها لاحقاً لأحفادهما في تلك المساحة المقطوعة من الزمن، لا تهم تقارير البنك الدولي، ولا قرارات مجلس الأمن، ولا توازنات القوى العالمية ما يهم هو تلك اللحظة الإنسانية الخالصة التي يكتشف فيها كلاهما أن “الآخر” الذي طالما صورته نشرات الأخبار كخصم سياسي أو ثقافي، هو مجرد إنسان عادي، يحب الحياة، ويعشق كرة القدم.
كرنفال الـ 48 ثقافة.. قرية عالمية حقيقية
مع توسع البطولة لتشمل 48 منتخباً، نحن لا نتحدث فقط عن زيادة في عدد المباريات، بل عن تضخم إيجابي في حجم التنوع الثقافي. إن استضافة 48 وفداً دولياً، بكل ما يحملونه من تقاليد، وموسيقى، وأهازيج، وأزياء، تحول الدولة المستضيفة إلى “قرية عالمية” حقيقية ومصغرة، تمشي على قدمين.
هذا التجمع الضخم يخلق ظاهرة سوسيولوجية فريدة؛ ففي غضون شهر واحد، يتعرض المشجعون سواء الحاضرون في الملاعب أو المتابعون عبر الشاشات لجرعة مكثفة من الثقافات العالمية التي ربما لم يكونوا ليسمعوا عنها لولا كرة القدم. يتعرف العالم على رقصة “الهاكا” التي تؤديها شعوب نيوزيلندا، ويستمع إلى إيقاعات الطبول الأفريقية الصاخبة، ويراقب انضباط الجماهير الآسيوية، ويطرب لأهازيج جماهير أمريكا اللاتينية التي لا تتوقف طوال تسعين دقيقة.
هذا التبادل الثقافي العفوي يساهم في كسر القوالب النمطية، ويقلل من حدة “الخوف من المجهول” الذي تتغذى عليه الصراعات السياسية. إنها دبلوماسية ناعمة تُمارس في الشوارع والمقاهي قبل أن تُمارس في الملاعب.
طقوس الفرح المعاصر
يرى بعض علماء الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) أن البشر، ورغم تطورهم التقني والمادي، لا يزالون بحاجة ماسة إلى ممارسة “طقوس جماعية” تمنح حياتهم معنى وتشعرهم بالانتماء لكيان أكبر في ظل تراجع تأثير بعض المؤسسات التقليدية في العصر الحديث، برزت كرة القدم وكأس العالم لتملأ هذا الفراغ الوجداني.
إن الألوان التي يصبغ بها المشجعون وجوههم، والتراتيل والأغاني التي يرددونها بصوت واحد، و”الأمواج الجماهيرية” (La Ola) التي تصنعها الأيادي المتشابكة في المدرجات، هي كلها طقوس معاصرة تلبي حاجة الإنسان العميقة للانصهار في المجموع ففي لحظة تسجيل الهدف المرجو، يحدث ما يشبه الانفجار العاطفي الجماعي؛ تعانق الأجساد بعضها البعض بلا تحفظ، وتبكي العيون بصدق، وتتطاير الأذرع في الهواء.
هي لحظة “تطهير نفسي” (Catharsis) جماعي، يخرج فيها الفرد من عزلته، ليشعر بأنه جزء من عائلة بشرية ضخمة تنبض بقلب واحد.
مساحة للتنفس في عالم خانق
إننا نعيش في عالم مثقل بالانقسامات؛ عالم تُرسم فيه الحدود بالدم، وتُتخذ فيه القرارات بناءً على المصالح الاقتصادية البحتة، وتُصنف فيه الدول وفقاً لترساناتها العسكرية في وسط كل هذا الضجيج المنهك، يقف كأس العالم كواحة استثنائية.
هو ليس مجرد تجمع رياضي، بل هو أكبر مؤتمر شعبي للإنسانية؛ مؤتمر لا تُتلى فيه بيانات ختامية، ولا تُفرض فيه عقوبات، ولا تُستخدم فيه حقوق “الفيتو”. الجوائز هنا تُمنح لمن يجتهد أكثر، ولمن يُمتع أكثر، ولمن يحترم قواعد اللعب النظيف وعندما تُطفأ أنوار الملاعب، وتعود الجماهير إلى أوطانها، وتطوى أعلام البطولة، يظل الأثر الإنساني باقياً. تتذكر الشعوب تلك الأيام التي تخلت فيها طوعاً عن خلافاتها، واجتمعت حول شغف بريء يُثبت لنا هذا التجمع البشري، دورة تلو الأخرى، أن البشرية، إن أُتيحت لها الفرصة ووُفرت لها المساحة الآمنة واللغة المشتركة، قادرة تماماً على التعايش بسلام، وقادرة على أن تضع السياسة جانباً، لتلعب، وتفرح، وتكون مجرد.. بشر.
وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:
الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








