البحث العلمى

في ظلال رحلة المعراج الكونية (14) استكمال مخطط الكون وتعديل نموذج بنية السماوات للسمان والألوسي

بقلم / الدكتور سعد كامل 

تؤكد الدراسات المعاصرة على ثراء كتب التراث الإسلامي بالكثير من المفاهيم الكونية والدقائق التفسيرية التي تحتاج إلى من يستخرجها من بين طيات الكتب، ويمزجها بالحقائق العلمية التي وصل إليها البشر في العصر الحاضر، وذلك للوصول إلى مفهوم متكامل للكون الكبير. وفي هذا السياق، يأتي هذا البحث ليتفق في خطوطه العريضة مع نموذج (السمان 2017) والألوسي حول بنية السماوات السبع والأرضين السبع، مستدركاً ومضيفاً عليه بعض التعديلات الجوهرية التي نتجت عن عميق التفكر والتأمل.

الكرة الأرضية ليست من الأرضين السبع: رؤية جديدة من واقع رحلة المعراج

يعتبر نموذج السمان أن السماوات أسقف شديدة الصلابة ولها أبواب، وقد جمع بين السماوات السبع والأرضين السبع في تصور واحد يوصف بـ “الكرات متحدة المركز”؛ بحيث تمثل الكرة الأرضية مركز الكون والأرض الأولى، يعلوها الكون المدرك (السماء الدنيا) ثم السقف الأول أو السماء الأولى، وأعلى السماء الأولى تأتي الأرض الثانية، ثم فراغ مماثل للسماء الدنيا فالسماء الثانية، وهكذا حتى تكون الأرض السابعة فوق السماء السادسة، وفوقها خلاء يليه السماء السابعة.

ومع ذلك، يُلاحظ وجود اختلاف طفيف بين نموذج السمان وبين تفاصيل رحلة المعراج الواردة في روايات حديث الإسراء والمعراج المتواترة. فقد ذكر الحافظ ابن كثير في عرضه لرحلة المعراج بناءً على الصحيحين، أن الرسول ﷺ استقبله في كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء بحسب منازلهم، حتى مر بموسى الكليم في السماء السادسة، وإبراهيم الخليل في السماء السابعة.

ومن خلال الاستقراء، نلاحظ أن أهل كل سماء يسكنون فوق هذه السماء، فتكون الأرض الأولى فوق السماء الأولى، ثم الأرض الثانية فوق السماء الثانية، وهكذا حتى تكون الأرض السابعة فوق السماء السابعة وفوقها عرش الرحمن. ومن هنا يستنتج البحث أن الأرضين التي تعلو السماوات تعتبر سبعة أرضين مستقلة، وأنه ليس من ضمنها الكرة الأرضية (وهو ما يتفق جزئياً مع عمري، 2004 مع اختلاف في التفاصيل).

دلالة مصطلحي “السماوات” و”الأرض” في القرآن الكريم

عند مطالعة الآيات القرآنية ودراسة كتب التفسير، نجد أن القرآن الكريم يستخدم مصطلح “الأرض” للإشارة إلى الجزء السفلي من السماوات السبع، بينما يستخدم مصطلح “السماوات” و”السماوات العُلى” للإشارة إلى الجزء العلوي لتلك السماوات.

ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة الفرقان:

((الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)))

حيث جاء في التفسير أن الله خلق بقدرته وسلطانه “السماوات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها”، فهو هنا يقصر معنى كلمة السماوات على جهة العلو، ويحدد كلمة الأرضين بأنها تشير إلى جهة السفل.

وعليه، يمكن فهم الآثار المروية عن السلف (مثل ما أخرجه ابن خزيمة وابن أبي الدنيا عن قتادة: “كانوا يقولون: الجنة في السموات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع”) على أنها تشير إلى المعنى الاصطلاحي القرآني؛ فالجنة بنعيمها في السماوات السبع العليا الأقرب إلى العرش تكريماً لأهلها، والنار في الأرضين السبع أي السماوات السبع السفلى بعيداً عن العرش إمعاناً في العذاب والمهانة.

استكمال مخطط الكون المقترح: من الكرسي إلى العرش

يؤكد البحث على أهمية نموذج السمان (2017) كألف باء لتخيل المخطط المقترح للكون. وبالتقصي فيما ذكره ابن كثير في تفسير آية الكرسي عن السدي: «السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش»، نجد أن المخطط يكتمل على النحو التالي:

  • الكرسي: يحيط بالسماوات السبع بالكامل، وتعتبر السماوات بالنسبة له كحلقة ملقاة في فلاة.

  • العرش المجيد: يأتي باتجاه العلو المطلق، وهو الذي لا يقدر قدره إلا الله سبحانه وتعالى.

  • النسبة والاتجاه: يقع الكرسي -الذي يعتبر بدوره كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش- في جهة أمام أسفل العرش العظيم، والله أعلى وأعلم بمراده.

د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى