حُرّاس عدالة الفرص.. ما لا نراه داخل لجان الثانوية العامة

بقلم / حسن السعدني
قبل دقائق معدودة من بدء الامتحان، يسود صمت ثقيل داخل اللجان. عيون تراجع المنهج في توتر اللحظات الأخيرة، وأخرى تحدّق في الفراغ، وأنفاس متقطعة تختبئ خلف أوراق الأسئلة. في هذا المشهد المشحون، لا يجلس الطلاب وحدهم تحت مقصلة الاختبار؛ فهناك خلف المنصة من يخوض امتحانًا آخر أكثر صمتًا وعمقًا… إنه المراقب.
رحلة شاقة تبدأ قبل الفجر
يوم المراقب لا يبدأ عند باب المدرسة كما يظن الكثيرون، بل ينطلق في ساعات الفجر الأولى. رحلة طويلة محفوفة بالإرهاق، ووسائل مواصلات عامة، ومسافات ممتدة تُقطع يوميًا من القرى إلى المدن، قبل أن يبدأ العمل الحقيقي داخل جدران اللجنة.
يقول الأستاذ محمود عبد الحميد، كبير معلمي اللغة العربية وأحد المراقبين المنتدبين:
“أستيقظ في الرابعة فجرًا لألحق بالقطار، وأصل إلى اللجنة منهكًا جسديًا، لكن لا مجال هنا للخطأ… المطلوب منا تركيز كامل بنسبة 100% حتى آخر دقيقة.”
وتلتقط خيط الحديث الأستاذة فاطمة العراقي، كبير معلمي الفلسفة والمراقبة بإحدى اللجان، لتضيف:
“أحيانًا نشعر أننا دخلنا الامتحان قبل الطلاب بساعات طويلة… التعب النفسي والبدني يبدأ مبكرًا جدًا، لكنه للأسف عبء لا يراه أحد.”
الموازنة الصعبة: بين إنسانية المعلم وحزم القانون

داخل اللجنة، يجد المراقب نفسه واقفًا على شعرة فاصلة ودقيقة للغاية؛ فهو في الأصل “معلم” تفيض غريزته بالتعاطف الإنساني، يدرك حجم توتر الطلاب ويشعر بارتباكهم. لكنه في الوقت ذاته “رجل قانون” مسئول مسئولية كاملة عن تطبيق القواعد الصارمة بحزم.
هذا التوازن يمثل تحديًا سايكولوجيًا هائلًا:
أي تساهل أو تغافل: قد يُخل بمبدأ تكافؤ الفرص ويضيع جهد طالب مجتهد لصالح آخر.
أي تشدد زائد: قد يضاعف الضغط النفسي على الطلاب ويحول اللجنة إلى ساحة رعب.
ورغم أن بعض الطلاب قد ينظرون إلى المراقب في تلك اللحظات باعتباره “خصمًا” أو عائقًا، فإن جوهر دوره الحقيقي هو حماية العدالة، وتأمين حقوق الجميع، وليس معاقبة أحد.
“انتهى الوقت”.. اللحظة الأقسى في اللجنة
تأتي اللحظة الحاسمة التي تختصر كل التوتر وتكثف دراما الموقف: نهاية الزمن المحدد للإجابة.
“انتهى الوقت، ارفعوا الأقلام”.. كلمات قليلة يلقيها المراقب، لكنها كفيلة بقلب المشهد رأسًا على عقب. أيدٍ تتشبث بالأوراق وكأنها تتشبث بالمستقبل، وعيون تملؤها الدموع ترجُو لحظات إضافية، وحالة من الارتباك والذعر تجتاح القاعة.
هنا تحديدًا، يواجه المراقب أصعب اختباراته الإنسانية؛ حيث يقع في صراع مرير بين عاطفته التي تدفعه لمنح الطالب دقيقة أخرى، وواجبه المهني والأخلاقي الذي يفرض عليه سحب الأوراق في الموعد المحدد تضامنًا مع بقية الطلاب في اللجان الأخرى. تُسحب الأوراق في النهاية… وغالبًا ما يتم ذلك بصمت ثقيل، وقلب مثقل بالهموم.
إجهاد غير مرئي وثقة تُحرَس بالنزاهة
ما لا يظهر وراء الأبواب المغلقة هو حجم الضغط العصبي الممتد الذي يعيشه المراقبون. الامتحان قد يستغرق ثلاث ساعات على الورق، لكنها بالنسبة للمراقب زمن ممتد ومكثف من التوتر، والتركيز العالي، والقدرة على اتخاذ قرارات دقيقة وصارمة في أجزاء من الثانية.
إنها مسئولية وطنية لا تتعلق فقط بضبط النظام داخل قاعة، بل بحماية قيمة مجتمعية عليا: أن يحصل كل طالب على نتاج تعبه وعدم تزييف جهود المجتهدين.
التقييم الحقيقي: هل كنتُ عادلاً؟
في الوقت الذي يتجه فيه اهتمام المجتمع بأكمله نحو درجات الطلاب ونسب النجاح، فإن الوجه الآخر للثانوية العامة يكشف عن اختبار يومي وحقيقي للمراقبين؛ اختبار يُقاس بمدى نزاهتهم، وصبرهم، وقدرتهم الفائقة على الموازنة بين الحزم الإنساني والعدالة الصارمة.
قد لا تُسلط عليهم كاميرات الإعلام، وقد لا يذكرهم أحد في حفلات التكريم، لكنهم يؤدون الرسالة الأهم في صمت. فهم لا يراقبون مجرد امتحانات محلية، بل يحرسون واحدة من أقدس القيم في المجتمع: عدالة الفرص.
ومع غروب شمس كل يوم من أيام الامتحانات، يغادر الطالب لجنته بترقب النتيجة، بينما يغادر المراقب وفي صدره سؤال وجودي لا تحويه كراسات الإجابة:
“هل كنتُ عادلاً بما يكفي اليوم؟”
الخبير التربوي حسن السعدني




