مفارقة العطاء والخذلان في بيئات العمل: حين تُعاقب الكفاءة ويُكافأ التقصير!

بقلم: حسن السعدني
تتردد في كثير من مؤسساتنا ، ولا سيما قطاع التعليم، عبارة مغلفة بمرارة شديدة: “كلما عملتَ أكثر، حُمِّلتَ أكثر، فإذا أخطأتَ عوقبتَ أسرع”.
لم يعد هذا الموروث مجرد زفرة إحباط عابرة يطلقها موظف مكلوم، بل تحول إلى انعكاس دقيق لواقع هيكلي يعيشه قطاع عريض من المخلصين؛ واقع مرير يتحول فيه التميز من ميزة تنافسية تُوجب التكريم، إلى عبء وظيفي ونفسي يستوجب الاستنزاف.
ثلاثية المشهد الوظيفي: بين الاستنزاف والحياد والراحة
حين تغيب العدالة التنظيمية، يُكافأ الموظف المجتهد عقاباً بطرق غير مباشرة؛ فبمجرد أن يثبت كفاءته ويُظهر إخلاصه، يتحول فوراً إلى “الخيار الأوحد” و”ترس الإنقاذ” لكل مهمة معقدة أو أزمة طارئة، تحت مبرر إداري فضفاض: “أنت الأقدر والأكثر اعتماداً عليك”.
وفي المقابل، يُستبعد الموظف المقصر من المهام الحيوية؛ ليس عقاباً له، بل تجنباً لسطوته وسطوة معارفه، أو خشية ضعف أدائه وتفادياً لمشكلاته، ليُترك في “منطقة الراحة” خارج دائرة المساءلة الفعلية.
وبين هذين النقيضين، يبرز طرف ثالث يمثل “الكتلة الصامتة” أو “المنطقة الرمادية” في المؤسسة؛ وهو الموظف الذي يكتفي بتقديم الحد الأدنى المطلوب منه وظيفياً. يؤدي عمله بدقة هندسية “على قدر المطلوب والوصف الوظيفي”، دون زيادة أو نقصان، يبتعد بنفسه تماماً عن طموحات المجتهدين المستنزَفين، وعن ألاعيب المقصرين المستفيدين.
هذا الطرف يعيش في سلام وظيفي بارد، يغلق حجرته مع نهاية الدوام دون أن يلتفت وراءه، محصناً نفسه بعبارة “هذا ما يخصني فقط”.
وهنا تتجلى المفارقة الظالمة التي تُعرف في علم الإدارة بـ “عقوبة الكفاءة” ؛ حيث يُنْهَك المجتهد حتى الاحتراق، ويتحصن المؤدي العادي في حدوده الآمنة، بينما يُكافأ المقصر بالراحة التامة!
“الاتكالية الإدارية”.. الهروب إلى الحلول الأسهل
تعكس هذه الظاهرة عواراً إدارياً يفتقر إلى الاحترافية، حيث تفضل القيادات الحلول السريعة والمسكنات المؤقتة على المعالجات الجذرية. فبدلاً من مواجهة المقصر، أو تفعيل منظومة تدريب وتقييم عادلة، يتم اللجوء إلى “الاعتماد الأعمى” على العناصر النشطة لسد الفجوات.
هذا النهج، وإن أنقذ الموقف مؤقتاً وحقق نتائج قصيرة المدى، إلا أنه يدمر البيئة المؤسسية على المدى البعيد. إنه يغرس بذور المرارة والخذلان في نفوس المتميزين مما يقودهم حتماً إلى “الاحتراق الوظيفي” والانطفاء، وفي الوقت ذاته، يُرسخ ثقافة الاتكالية والإفلات من المسئولية لدى البقية.
لجان الامتحانات والكنترولات: اختبارات النزاهة في حقل الألغام
تبلغ هذه الإشكالية ذروتها في القطاعات الحساسة التي تتطلب أعلى درجات الصلابة الأخلاقية، مثل لجان الامتحانات وأعمال الكنترولات في قطاع التعليم. هناك، يجد المعلم المخلص نفسه وحيداً في مواجهة العاصفة، حيث يُطلب منه أحياناً بـ “إشارات مبطنة” التغاضي عن تجاوزات معينة لضمان تسيير الأمور بلا ضجيج.
في هذه اللحظات الحرجة، يتحول الضغط من العبء الوظيفي إلى اختبار حقيقي للقيم الإنسانية والمهنية. ويصبح الفرد أمام خيارين أحلاهما مر: إما التمسك بالمعايير وتحمل التبعات من عزلة وصدام مع “مراكز القوى”، وإما التنازل لطلب السلامة، وهو أول مسمار يُدق في نعش الأمانة المهنية.
خارطة طريق.. نحو بيئة عمل متوازنة
إن تفكيك هذه المفارقة المؤلمة لا يحتاج إلى نظريات إدارية معقدة، بقدر ما يحتاج إلى “إرادة قيادية” صلبة تؤمن بالعدالة التنظيمية، وذلك عبر أربعة محاور أساسية:
التوزيع العادل والذكي للمهام:
وضع سقف للمسئوليات الإضافية، ومراعاة طاقة الأفراد الكامنة بدلاً من استنزافها.
المحاسبة بالمخرجات لا بالمجهود:
تفعيل آليات مساءلة حقيقية تطبق الثواب والعقاب بحزم، وتعالج التقصير بدلاً من مكافأة صاحبه بالاستبعاد المريح.
ربط الجهد الاستثنائي بالتقدير:
مادياً عبر الحوافز والمكافآت،
ومعنوياً عبر فرص الترقي والتمكين، ليعلم المجتهد أن لتميزه ثمناً يستحقه.
الحماية المؤسسية في مواقف النزاهة:
توفير مظلة حماية قوية للموظف الشريف، بدلاً من تركه لقمة سائغة لضغوط مراكز القوى.
خاتمة
لا يمكن لأي مؤسسة تطمح إلى الاستدامة والريادة أن تحافظ على كفاءاتها إذا استمر اختلال التوازن بين العطاء والتقدير.
إن العدالة الإدارية ليست ترفاً فكرياً أو خياراً تجميلياً، بل هي عصب البقاء لأي بيئة عمل منتجة؛ تحفّز العطاء وتحميه من التحول إلى لعبة استنزاف.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم مطروحاً على طاولة كل قيادي وصاحب قرار: هل نريد بيئات عمل تُكافئ الكفاءة وتنميها، أم تستهلكها بصمت حتى تنطفئ ؟



