الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (6) الدبلوماسية التي تبدأ من المدرجات.. جمهورية بلا حدود
كرة القدم توحد شعوب الأرض وتفكك عقدة "الخوف من الآخر"

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في إحدى الساحات المكتظة بالعاصمة الروسية موسكو خلال كأس العالم 2018، وسط أمواج بشرية متلاطمة تحتفل وتغني بلغات شتى، كان شاب مصري يجلس على كرسيه المتحرك من ذوي الهمم، يحاول عبثاً اختلاس النظر إلى شاشة العرض العملاقة عبر غابة من الأجساد والأعلام المرفرفة.
في تلك اللحظة، لاحظته مجموعة من المشجعين المكسيكيين الذين يرتدون قبعات “السومبريرو” الشهيرة ودون أي مقدمات، ودون أن يتبادلوا كلمة واحدة مفهومة، التفتوا حوله، وبإشارة متفق عليها سلفاً، رفعوا الشاب بكرسيه المتحرك عالياً فوق أكتافهم، ليتمكن من مشاهدة الاحتفالات والمشاركة فيها.
تعالت ضحكات الشاب المصري، وبدأ في التلويح بعلمه، بينما أخذ المكسيكيون يرقصون به ويهتفون بحماس.
لم تكن تلك اللحظة العابرة بحاجة إلى مترجمين أو وسطاء، ولم تصدر عن بروتوكول رسمي دُرس بعناية في أروقة وزارات الخارجية.
لقد كانت تجسيداً عفوياً ونقياً لما يمكن أن نطلق عليه “الدبلوماسية الشعبية”؛ تلك الدبلوماسية التي تُصنع في المدرجات والساحات، وتُثبت أن الجماهير قادرة على بناء جسور من المودة في ثوانٍ معدودة، قد تعجز السياسة عن بنائها في عقود.
المدرجات.. برلمان البشرية البديل
تعتمد الدبلوماسية التقليدية على طاولات مغلقة، وبدلات رسمية، ولغة حذرة تحسب كل كلمة بمعيار الربح والخسارة القومية.
لكن كرة القدم تقدم للعالم نموذجاً بديلاً؛ برلماناً شعبياً مفتوحاً يجتمع فيه ممثلو شعوب الأرض، متدثرين بأعلام بلدانهم، ومسلحين بشغف خالص.
في كأس العالم، تتحول المدرجات إلى جمعية عامة للأمم المتحدة، ولكن بنسخة أكثر حيوية وصدقاً، وخالية من “حق الفيتو” ومع اتساع رقعة المشاركة لتشمل 48 منتخباً من أصل 211 اتحاداً كروياً، نحن أمام أكبر حركة ديموغرافية مؤقتة ومستدامة في آن واحد.
إن تدفق مئات الآلاف من المشجعين من دول آسيوية وأفريقية ولاتينية وأوروبية إلى بقعة جغرافية واحدة يخلق احتكاكاً مباشراً بين ثقافات ربما لم تكن لتلتقي قط لولا نداء الساحرة المستديرة.
في هذا البرلمان الملون، تتساوى الأصوات، ويصبح المعيار الوحيد للتفوق هو القدرة على نشر الفرح والتفاعل الإيجابي مع “الآخر”.
تفكيك “الزينوفوبيا” وتحطيم حواجز الخوف
يعيش عالمنا المعاصر أزمات متلاحقة تغذيها منصات إعلامية وسياسات شعبوية تعتمد على تكريس “الزينوفوبيا” (رهاب الأجانب) أو الخوف من الآخر المختلف عرقياً أو دينياً أو جغرافياً.
تُبنى جدران نفسية سميكة تجعل من الغريب مصدراً محتملاً للتهديد هنا تتدخل كرة القدم كعلاج سوسيولوجي جماعي وفعال.
عندما يتشارك مشجع إنجليزي مع مشجع سنغالي، ومشجع برازيلي مع مشجع ياباني، عربة قطار واحدة للوصول إلى الملعب، فإن الخوف المصطنع يبدأ في التلاشي التدريجي حيث يكتشفون أنهم يشتركون في نفس القلق من المباراة القادمة، ونفس الطقوس المتوترة قبل صافرة الحكم، ونفس العشق المطلق للعبة ومع تبادل الأوشحة، وتذوق الأطعمة الشعبية لبعضهم البعض في “مناطق المشجعين”، والتقاط الصور التذكارية المبتسمة، كلها معاول تهدم جدران التنميط.
لقد أثبتت التجارب المونديالية المتتابعة أن المشجع الذي يسافر لحضور كأس العالم يعود إلى وطنه بنظرة مختلفة تماماً عن تلك التي سافر بها؛ يعود محملاً بتسامح أكبر، وبفهم أعمق لإنسانية الآخرين.
لغة الأهازيج.. قاموس عالمي جديد
إذا كانت اللغة هي الوعاء الذي يحمل ثقافة الشعوب، فإن للجماهير الكروية لغتها الخاصة التي لا تعترف بالأبجديات التقليدية.
إنها لغة تتألف من إيقاعات الطبول، وطريقة التصفيق، والموجات البشرية (La Ola) التي تدور حول الملعب كتيار كهربائي حي.
في أمم أوروبا 2016 ثم في كأس العالم 2018، فرضت جماهير أيسلندا، تلك الجزيرة الصغيرة المعزولة، لغتها الخاصة على العالم من خلال “تصفيقة الفايكنج” المرعبة والمهيبة ثم لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت جماهير من دول أفريقية وآسيوية وأمريكية في تقليد هذا الإيقاع في ملاعبها المحلية وبالمثل، تنتقل أهازيج أمريكا اللاتينية الجياشة إلى الملاعب الأوروبية والعربية.
هذا التبادل الثقافي الفوري للمظاهر الاحتفالية يخلق تراثاً إنسانياً مشتركاً؛ تراثاً لا يملكه أحد بمفرده، بل يشترك في ملكيته ست مليارات متابع حول الكوكب.
سفراء بلا حقائب دبلوماسية
يتحمل كل مشجع يسافر خلف منتخب بلاده مسؤولية غير مكتوبة؛ فهو في نظر مضيفيه وفي نظر المشجعين من الدول الأخرى، يمثل الأمة بأسرها كما يمثل السلوك الجمعي للجماهير الزائرة الدور الأكبر في تشكيل الصورة الذهنية لبلدانهم في الوعي العالمي.
لقد رأينا كيف تحولت الجماهير الأيرلندية إلى مضرب للأمثال في اللطف والمرح عندما انتشرت مقاطع فيديو لهم وهم يغنون تهويدات هادئة لطفل فرنسي نائم في قطار عام، أو وهم يصلحون سيارة مواطن محلي ألحقوا بها ضرراً بسيطاً عن طريق الخطأ.
كما رأينا كيف صدرت الجماهير العربية صوراً للضيافة والكرم في الشوارع والميادين في قطر فهؤلاء المشجعون هم سفراء حقيقيون بلا حقائب دبلوماسية أو حصانات؛ ينجحون في غرس انطباعات إيجابية تدوم لسنوات، متفوقين بذلك على أضخم الحملات الترويجية والسياحية التي تنفق عليها الحكومات ملايين الدولارات.
الجمهورية التي لا تغيب عنها الشمس
في نهاية كل مباراة، عندما يطلق الحكم صافرته الأخيرة معلناً فوز فريق وخسارة آخر، قد تنتهي المنافسة الرياضية وتُطوى صفحة من سجلات البطولة لكن في المدرجات، وخارج بوابات الملاعب، تكون هناك قصص أخرى قد بدأت للتو.
تنشأ صداقات بين أفراد تفصل بينهم آلاف الأميال، وتتبادل أرقام الهواتف وعناوين البريد بين أشخاص يتواصلون بلغة الإشارة وبريق العيون.
إن المدرجات ليست مجرد درجات إسمنتية باردة صُممت لجلوس المتفرجين، بل هي شرايين نابضة بالحياة، ومسرح حي تُعرض عليه أصدق دراما إنسانية.
“جمهورية الجماهير” هي الجمهورية الوحيدة في العالم التي لا تمتلك جيشاً ولا حدوداً جغرافية ولا عملة نقدية، لكنها تمتلك المليارات من المواطنين المخلصين. إنها جمهورية تتسع للـ 48 منتخباً ولـ 211 اتحاداً، ولتلك الفسيفساء البشرية الرائعة التي تثبت، مع كل هتاف وكل عناق عابر، أن الدبلوماسية الحقيقية والمستدامة هي تلك التي تبدأ من القلوب، وتزهر في المدرجات.
وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:
الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







