أراء وقراءات

بطل العالم بـ “شبشب” وكيس بلاستيكي: كيف أعاد مارك كوكوريا تعريف النجومية؟

بقلم: حسن السعدني

في العصر الذهبي لمنصات التواصل الاجتماعي، حيث تُقاس قيمة لاعب كرة القدم بعدد المتابعين، وتُصنع هيبته بساعات اليد الباهظة والسيارات الفارهة، تمرّ أحيانًا لقطة صامتة واحدة تهدم كل هذه البهرجة المزيّفة. لقطة لا تحتاج إلى إعادة بطيئة، ولا إلى تعليق حماسي، بل تصنع أثرها في لحظة وقوعها.

في الممر المؤدي لغرف الملابس عقب انتهاء مباراة نهائي كأس العالم 2026، ظهر الظهير الإسباني مارك كوكوريا حاملاً الكأس الغالية. لكن المفاجأة لم تكن في ظهوره كبطل للعالم، بل في “كيفية” هذا الظهور: بلا مظاهر صَخَب، بلا بريق مصممي الأزياء، بل بقاطرة من البساطة المذهلة—شبشب منزلي، كيس بلاستيكي يتأرجح في يده، وقميص رياضي عادي جدًا.

كسر الصورة النمطية

لقد اعتادت الجماهير، وربما أُجبرت، على صورة نمطية لنجم كرة القدم الحديث: كائن يعيش في فقاعة مغلقة من الرفاهية، يتحرك بجدران عازلة عن الجماهير، ويهتم بالاستعراض بقدر اهتمامه بالملعب.

لكن كوكوريا، بملامحه العفوية وشعره المنسدل الشهير، كسر هذه القاعدة في ثوانٍ معدودة. لم يحاول أن يبدو أكبر مما هو عليه، ولم يتصرف كأنه مركز المجرة. كان شكله أقرب لشاب عائد من ممارسة كرة القدم مع أصدقائه في الحي، وليس لاعبًا نجح للتو في تدوين اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الساحرة المستديرة.

“ابن الحارة” بروح عالمية

في الثقافة العربية، يُطلق وصف “ابن الحارة” على الشخص الذي يحتفظ بأصالته رغم تغيّر الظروف ،فلم تغير معدنه ثروة أو مكانة . هذا المفهوم يجد صداه في شخصية كوكوريا، الذي يبدو أنه حمل معه قيم بيئته الأولى وجينات أحيائه العمالية البسيطة أينما ذهب

 إلى أعلى منصات المجد

هذا الربط ليس مجرد أسلوب حياة خارج الملعب، بل هو انعكاس ملموس لأسلوب لعب كوكوريا نفسه؛ فهو اللاعب الذي يركض في الملعب بروح قتالية، يطارد كل كرة وكأنها الأخيرة، ويقاتل بلا تعالٍ. إن عفوية مظهره خارج المستطيل الأخضر ليست سوى امتداد لصدقه وشغفه البدائي داخل الميدان.

العظمة في الصمت الذي يلي الانتصار

ليست المشكلة في أن تصعد إلى القمة، بل في ألا تفقد الطريق الذي صعدت منه. كم من أسماء لامعة اختفت ملامحها الحقيقية فور ملامسة المجد، وتلاشت أصالتها خلف أضواء الشهرة!

في هذه اللقطة، نرى العكس تمامًا: نرى لاعبًا فاز بكأس العالم، لكنه لم يسمح لهذا الإنجاز أن يسرق منه إنسانيته. هذه الصورة تذكرنا جميعًا بأن العظمة الحقيقية لا تكمن في بريق الذهب، بل في التواضع الذي يحمله صاحبه، ولا في ضجيج الهتافات، بل في السكينة والتوازن اللذين يعقبان الفوز.

درسٌ يتجاوز حدود كرة القدم

قد تُنسى تفاصيل هذه البطولة مع مرور السنوات، وقد يأتي جيل جديد لا يتذكر أسماء مسجلي الأهداف في النهائي. لكن صورة كوكوريا وهو يسير ببساطة مستفزة لثقافة الاستعراض ستظل حية؛ لأنها لا توثق مباراة، بل تكشف حقيقة إنسانية خالدة.

لسنا بحاجة إلى أن نكون أبطالاً للعالم لنفهم هذه الرسالة. يكفي أن نتذكر، وسط ركضنا اليومي في الحياة، ألا نفقد ذواتنا.

 أعظم ما يمكن أن نحققه في هذا العالم ليس أن نصبح كبارًا في عيون الآخرين، بل أن نكسب الرهان الأهم: أن نقتنع بأننا بَقِينا حقيقيين في أعين أنفسنا.

الخبير التربوي حسن السعدني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى