شئون عربيةمصر

مصر… فجر الكرامة في الثالث والعشرين من يوليو 1952

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في صباحٍ من صباحات القاهرة الهادئة، وفي يوم الثالث والعشرين من يوليو   عام 1952، دوت كلمات الضابط الشاب أنور السادات عبر الإذاعة المصرية                   :

أيها المواطنون، قام الجيش هذا اليوم بحركةٍ مباركة لتحرير الوطن…”
ومنذ تلك اللحظة، تبدّل وجه مصر كان ذلك اليوم نقطة تحولٍ في تاريخ الأمة، حيث فتحت ثورة 23 يوليو صفحة جديدة عنوانها الحرية والكرامة والسيادة الوطنية لم تكن مجرد تحركٍ عسكريٍّ أنهى عهدًا ملكيًا، بل ميلاد شعبٍ قرّر أن يكتب مصيره بيده، ويستعيد صوته بين الأمم بعد سنواتٍ من الخضوع للنفوذ الأجنبي والفساد الداخلي.

قبل الثورة… حلم وطنٍ مكبّل

كانت مصر قبل يوليو 1952 تعاني أوضاعًا صعبة احتلال بريطاني يتحكم في القرار، ونظامٌ ملكيٌّ أرهقته الامتيازات الأجنبية، وتفاوت اجتماعي جعل الأغنياء أقلية يتحكمون في مصير الملايين من الفلاحين والعمال كما ازداد الغضب الشعبي مع هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948، حين اكتشف الضباط والشعب حجم الفساد وضعف الدولة تحت نظامٍ لا يمثلهم.

من رحم هذه المعاناة، ولد تنظيم الضباط الأحرار، مجموعة من أبناء الجيش المصري حملوا طموحًا يتجاوز ثكناتهم، مؤمنين أن تحرير البلاد لا يكون إلا بتحرير الإرادة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر والقائد محمد نجيب، أضاء فجر الثالث والعشرين من يوليو شرارة الثورة التي غيرت مجرى التاريخ.

الثورة… من البيان الأول إلى قيام الجمهورية

تحرك الضباط في فجر 23 يوليو وسيطروا على المنشآت الحيوية في القاهرة دون إراقة دماء، ليعلنوا أول بيان باسم الجيش لم يمضِ وقت طويل حتى تنازل الملك فاروق الأول عن العرش، وغادر مصر في السادس والعشرين من يوليو، لتنتهي بذلك عقود الحكم الملكي.

شكلت الثورة في بدايتها مجلس قيادة يضم أبرز الضباط الأحرار، ثم أُلغيت الملكية في يونيو 1953، وأُعلنت الجمهورية المصرية، وتولى اللواء محمد نجيب أول رئاسة للجمهورية، قبل أن تبدأ مرحلة التحول الكبرى بقيادة عبد الناصر، الذي اتخذ من العدالة الاجتماعية والتصنيع الوطني والتحرر من الاستعمار أهدافًا راسخة للثورة.

رمزية اليوم ومعناه العميق

لم يكن يوم 23 يوليو مجرد عيدٍ وطني، بل ذكرى لتجدد الإرادة المصرية في هذا اليوم تُستلهم روح الجيش الذي لم يرفع سلاحه إلا ليعيد لمصر كرامتها، والشعب الذي آمن أن قدره أن يكون في طليعة أمته.
أصبح العلم المصري نفسه شاهدًا على هذه المسيرة: الأحمر يرمز إلى دماء الشهداء والتضحية، والأبيض يرمز إلى السلام ونقاء النية، والأسود يرمز إلى تجاوز ظلمات الماضي، بينما تجسد النسر الذهبي في قلبه رمزًا لمصر القوية الحرة التي لا تنحني.

أهازيج الوطن في ذكرى يوليو

في كل عام، تتزين القاهرة بالإضاءة، وتصدح الأغاني الوطنية من مبنى الإذاعة والتلفزيون  “يا أغلى اسم في الوجود يا مصر، بلادي بلادي لك حبي وفؤادي
تقام العروض العسكرية احتفاءً بجيش الثورة، وتلقي القيادة السياسية كلماتٍ تعيد إلى الأذهان مبادئ يوليو الخالدة: الحرية، والعدالة الاجتماعية، والوحدة الوطنية
من الإسكندرية إلى أسوان، يشارك الشعب كله في الفرح، من طلاب المدارس الذين يرفعون الأعلام في الطوابير الصباحية، إلى الكبار الذين يسترجعون ذكريات ذاك الليل الذي غيّر المصير.

إرث الثورة وقيمها الخالدة

جاءت ثورة يوليو لتؤسس مصر الحديثة، وتمنح الشعب المصري لأول مرة سيادته على قراره الوطني ألغت الامتيازات الأجنبية، وبدأت إصلاحًا زراعيًا رفع من شأن الفلاحين، وبنت المصانع والمدارس والجامعات، وأسهمت في توحيد الكلمة العربية بدورها الرائد في التحرر العربي والإفريقي.
كانت مصر بعد الثورة مشعلًا مضيئًا لقضايا التحرر العالمي، وبيتًا للمقاومة والثقافة والهوية المستقلة.

واليوم، وبعد أكثر من سبعين عامًا، لا تزال مبادئ يوليو تنبض في وجدان الأمة: الإصرار، والعزة، والإيمان بالقدرة على تجاوز الأزمات فقد علّمتنا الثورة أن مصر لا تعرف الانحناء، وأن إرادة شعبها لا تُكسر مهما اشتدت العواصف.

روح المصريين… لا تعرف الانكسار

الثورة لم تكن من صنع الجيش وحده، بل من روح الشعب الذي خرج يدافع عن أرضه وتاريخه ومستقبله من الفلاح الذي حرث ترابها، والعامل الذي شيد مصانعها، والجندي الذي وقف على حدودها، والأم التي تزرع الأمل في أبنائها، يعيش سرّ مصر الخالد : الوحدة في وجه كل تحدٍّ.

كل مصري، سواء في قلب القاهرة أو في قرية على ضفاف النيل، يحمل في داخله شعلة 23 يوليو – شعلة التحرير والإصرار على الكرامة، وإيمان لا يتزعزع بأن مصر تستحق الأفضل دائمًا.

مصر… أبد الدهر أمة العطاء والخلود

في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة يوليو تقف مصر كما عهدناها: شامخة كأهراماتها، خالدة كالنيل الذي لا ينضب عطاؤه.
هي الأمة التي علمت العالم معنى الحضارة، وأثبتت عبر العصور أن الحرية ليست هبةً، بل حقّ يُنتزع بالإرادة والصبر والإيمان.

مصرُ، يا مهدَ المجدِ والعزِّ والخلود،

فيكِ الشمسُ لا تغيب، وفي قلوبِ أبنائكِ ثورةٌ لا تخمد…

ما دام النيلُ يجري، ستبقى رايتُكِ مرفوعةً بالعزةِ والمجدِ إلى الأبد.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى