على ضفاف النيل الخالد.. وحدة المصير تحبط مخططات الفتنة بين مصر والسودان

كتبت: د. هيام الإبس
على مر التاريخ، لم تكن العلاقات بين شعبي وادي النيل مجرد علاقات جوار جغرافي رسمته الخرائط، بل كانت ولا تزال رباطًا وجوديًا أعمق بكثير؛ يربطهما شريان حياة واحد يتدفق في أوردتهما منذ أزل التاريخ—نهر النيل العظيم—الذي يسري بالخير والوفاء ليشهد على وحدتهما التي لا تفصمها عوارض الأيام.
في الآونة الأخيرة، ونظرًا للظروف الاستثنائية والتحديات السياسية والاجتماعية المتلاحقة التي تمر بها المنطقة، طفت على السطح بعض الأصوات والمهاترات المنعزلة عبر المنصات الرقمية، تحاول زرع بذور الفتنة وتأجيج مشاعر التعصب والانقسام بين أبناء الشعبين الشقيقين.
أولاً: خديعة الفضاء الرقمي وسلبيات التواصل
علينا ألا ننسى أن منصات التواصل باتت مسرحًا تعبث فيه فئات ذات مآرب مشبوهة، وجيوش إلكترونية لا تعتاش إلا على إشعال الفتن وصناعة “الترند” الزائف.
إن الحسابات الوهمية والتعليقات الجارحة لا تعبر بحال من الأحوال عن نبض الشارع المصري أو السوداني، وتذكروا دائمًا: “الصوت العالي والجارح ليس بالضرورة هو صوت الأغلبية، بل غالبًا ما يكون صوت الفتنة المنعزل.”
ثانياً: شواهد الواقع والدم المشترك
حين تنطفئ شاشات الهواتف وننظر إلى الواقع، نجد أن التلاحم بين الشعبين يتجسد في ركائز أصيلة:
-
أواصر النسب والمصاهرة: كم من بيت مصري-سوداني يجمع بين الدم والنسب والرحم؟ حيث تداخلت العائلات والزيجات المشتركة عبر عقود طويلة ليصبح الدم واحدًا.
-
الندّية والمصير المشترك: لم تنظر مصر إلى السودان إلا كشقيق وندّ وشريك أصيل في التاريخ والمصير، تجمعها به وحدة جغرافية وإنسانية لا تقبل التجزئة، ولا تكتمل خريطة المنطقة إلا بعزّته واستقراره. ولم ينظر السوداني يومًا إلى مصر إلا كوطن ثانٍ وملاذ آمن وقت الشدائد.
-
التكافل الشعبي: المشاعر الطيبة في الشارع، والتكافل والتراحم اليومي بين المواطنين في الأحياء والأزقة، أكبر دليل على أن أصالة هذا الشعب راسخة لا تهزها الرياح العابرة.
ثالثاً: واجبنا الأخلاقي والوطني لدرء الفتنة
إن مواجهة هذه الفتنة في مهدها ليست مجرد خيار، بل هي واجب أخلاقي وديني وإنساني يقع على عاتق كل فرْد منا. ولتحقيق ذلك، يجب علينا الالتزام بالآتي:
-
الوعي والتثبت: عدم الانجرار خلف الشائعات أو منشورات التجييش والتحريض، وتجنب التفاعل مع الخطابات المفخخة بالكره.
-
الرد بالإحسان: مواجهة خطابات الكراهية بنشر قصص التآخي، والتركيز على النقاط المشتركة والإيجابية التي تجمع الشعبين.
-
مسؤولية العقلاء والإعلاميين: على قادة الفكر، والمبدعين، والإعلاميين في البلدين تكثيف الجهود لإبراز المحبة التاريخية والعمل على لجم كل صوت يسعى للتفريق.
الروابط التاريخية المستمرة عبر وادي النيل
يبقى وادي النيل واحدًا، وتبقى مصر وشيجًا للسودان، والسودان سندًا لمصر. إن التحديات والأزمات تزول وتتغير، أما الأشقاء ودفء الديار فثوابت لا تزول، فلنحافظ على هذا الرباط المقدس، ولنكن حجابًا منيعًا ضد كل من يحاول إثارة الفتن بين من جمعهم المأكل والمشرب والدم والتاريخ.




