مرارة الفقد وحقيقة الجزء المقتطع من الروح

بقلم التربوي/ الشيخ محمد عرفة
حين يرحل أبٌ…
لا يموت رجل فقط.
بل تموت في قلب أبنائه واحة أمان لا يعوضها أحد.
وحين ترحل أم…
لا تغيب امرأة فقط.
بل يرحل وطن كامل كان يسكن في صوتها، وملامحها، ودعائها.
وحين يرحل أخ يغيب الكتف الذي طالما استند عليه،
وحين يرحل ابن يموت الأب ولو عاش بعده مائة عام،
لا يفقد الإنسان شخصًا فحسب.
بل يفقد جزءاً من نفسه كان لا يعيش إلا به.
نحن لا نملك قلبًا واحدًا كما نظن.
نحن نوزع قلوبنا على مَن نحب.
قطعة عند الأب.
وقطعة عند الأم.
وقطعة عند الأخ.
وقطعة عند الابن…
حتى إذا رحل أحدهم…
رحلت معه قطعة من القلب.
لهذا يشعر الإنسان بعد الفقد أنه لم يعد الشخص نفسه.
لأنه بالفعل لم يعد كذلك.
الموت لا يأخذ الأشخاص فقط.
بل يأخذ العادات التي كانت ترافقهم.
يأخذ الضحكات التي كانت تبدأ بوجودهم.
ويأخذ الأماكن التي فقدت طعمها بغيابهم.
بعض الناس يرحلون فتغيب أجسادهم.
وبعضهم يرحلون فتغيب معهم فصول كاملة من العمر.
المكان الذي كان يجمعنا بهم لا يعود كما كان.
الأعياد لا تأتي بالوجه نفسه.
حتى الضحكة نفسها تصبح أقل صفاءً،
سرق الحزن منها شيئًا لا يعود.
الفقد أقسى ما يمر به الإنسان.
ليس لأنه يخطف مَن نحب فقط.
بل لأنه يقتطع جزءًا من ذاتنا،
جزء كان يعيش خارج جسده.
في عين أم.
أو صوت أب.
أو كتف أخ.
ما أكثر الذين يمشون بين الناس بأجساد كاملة، وقلوب منقوصة. وأرواح متعبَة،
يبتسمون.
ويتحدثون.
ويؤدون أعمالهم.
لكنهم يعرفون في أعماقهم أن شيئًا عظيمًا قد انكسر .
وأن هذا الكسر لم يلتئم تمامًا.
ولن يُشفَى أبداً،
_ _ _
لكن الموت لا ينتصر انتصارًا كاملًا.
يأخذ الأجساد نعم.
لكنه يعجز عن أخذ كل شيء.
يبقى الحنين..
ويبقى الدعاء الذي يعبر المسافات..
يبقى مكان الراحلين في القلب خالياً



