الساحة السودانية تحت المجهر الدولي: واشنطن تلاحق شبكات الإخوان وتل أبيب ترصد التهديد

تقاطع المصالح ورسائل الرادع.. هل تتحول الخرطوم إلى ساحة مواجهة بالوكالة؟
كتبت – د. هيام الإبس
قراءة تحليلية
دخلت الأزمة السودانية مرحلة مفصلية جديدة تتجاوز حدود الصراع المحلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، عقب التحرك الأمريكي الأخير المتمثل في استهداف الحركة الإسلامية السودانية (جماعة الإخوان المسلمين) وجناحها العسكري “لواء البراء بن مالك”.
هذا التحرك لا يعكس مجرد تعديل في التكتيك السياسي الأمريكي، بل يؤشر إلى سياق إقليمي ودولي أوسع يرتبط بملفات أمن الملاحة في البحر الأحمر، وتوازنات القوى في القرن الأفريقي، ومحاصرة أدوات النفوذ العابر للحدود.
- الأبعاد الاستخباراتية والأمنية للقرار الأمريكي
تستند التحركات الأمريكية ضد “لواء البراء بن مالك” والشبكات المرتبطة به إلى قراءات أمنية محددة:
شبكات التدريب والرعاية: تقارير استخباراتية تشير إلى وجود اتصالات ودعم لوجستي وتدريبي تلقتها هذه المجموعات من أطراف إقليمية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني.
الميدان والانتهاكات: ترى واشنطن أن اللواء لعب دوراً رأس حربة في العمليات القتالية، مع توثيق اتهامات ترتبط بانتهاكات ضد مدنيين ودوافع استقطاب عرقية وسياسية.
تكتيك تجفيف المنابع: يأتي القرار ضمن مسار أمريكي يهدف لتفكيك شبكات التمويل والتجنيد للتنظيمات المحسوبة على الإسلام السياسي المسلح.
- البحر الأحمر وموقع السودان في الشطرنج الدولي
لا يمكن فصل الملف السوداني عن الجغرافيا السياسية للمنطقة:
معادلة الممر الحيوي: يطل السودان على ساحل ممتد على البحر الأحمر بالقرب من ممر باب المندب. إن أي حضور لقوى إقليمية مناوئة للغرب أو تنظيمات مسلحة خاملة في هذه المنطقة يُعد خطاً أحمر بالنسبة لواشنطن وحلفائها، لما يمثله من تهديد مباشر لطرق التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
- الحسابات الإسرائيلية: قلق من “جبهة إضافية”
تتابع تل أبيب المشهد السوداني عن كثب، حيث تتقاطع قراءتها للأزمة مع مخاوف أمنية متصاعدة:
الخوف من التمدد: يُنظر إلى استقرار شبكات مسلحة ذات امتدادات خارجية في السودان كتهديد قد يفتح جبهة جديدة تضاف إلى التوترات القائمة مع الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان.
دعوات للتصنيف والضغط: تتزايد المطالبات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية بالسير على خطى واشنطن لإدراج هذه المكونات على قوائم الإرهاب، واستهداف المنظومة السياسية والمالية الداعمة لها.
- خلط الأوراق في الداخل السوداني
منذ اندلاع حرب أبريل 2023، ظل دور التيارات المحسوبة على نظام الرئيس السابق عمر البشير محط استقطاب حاد:
الدعم السريع وحلفاؤه: يرون مشاركة الجماعة محاولة للعودة للحكم عبر بوابة الجيش.
الحركة الإسلامية ولواء البراء: يعتبرون قتالهم واجبًا وطنياً لحماية الدولة ومؤسساتها.
الأثر المباشر: يُضيّق القرار الأمريكي الخناق على الجيش السوداني، ويفرضه أمام شرط غربي صارم بفك ارتباطه بهذه التيارات لتفادي العزلة الدولية.
- سيناريوهات المستقبل: بين التسوية والمواجهة المفتوحة
تضع هذه التطورات الأزمة السودانية أمام مسارين رئيسيين:
- سيناريو الضغط المنتج (التسوية): أن تؤدي العقوبات والتضييق الدولي إلى دفع الأطراف العسكرية نحو مراجعة حساباتها والقبول بمسار سياسي ينهي الحرب ويستبعد التيارات الراديكالية.
- سيناريو التصعيد (حرب بالوكالة): أن يدفع التضييق هذه الجماعات والقوى الداعمة لها إقليميًا إلى الاستماتة في القتال، ليتحول السودان رسمياً إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين المحور الإيراني وحلفائه من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.
خلاصة تحليليّة
أثبتت التطورات الأخيرة أن السودان لم يعد مجرد أزمة إنسانية أو صراع داخلي على السلطة؛ بل تحول إلى “رقم صعب في معادلة الصراع على النفوذ وأمن الشرق الأوسط والقرن الأفريقي”.
وتظل قدرة القوى المحلية على التعاطي مع هذه الضغوط هي المحدد الأساسي لما إذا كان السودان يتجه نحو الانفراجة أم نحو مزيد من التدويل والتعقيد.
