احدث الاخبار

طَيّ صفحة نزاعٍ دام أكثر من نصف قرن.. غينيا الاستوائية والجابون تُبرمان اتفاقاً تاريخياً لترسيم الحدود

كتبت – د. هيام الإبس

في خطوة تاريخية تُنهي واحداً من أطول النزاعات الحدودية في وسط القارة السمراء، طوت غينيا الاستوائية والجابون صفحة خلافٍ استمر لأكثر من نصف قرن، عبر توقيع اتفاق رسمي برعاية الاتحاد الأفريقي لترسيم الحدود البحرية بينهما.

ويأتي هذا الاتفاق امتثالاً لحكم نهائي صادر عن محكمة العدل الدولية أقرّ بسيادة غينيا الاستوائية على ثلاث جزر استراتيجية في خليج غينيا الغني بالنفط والغاز، ليُشكل بذلك نموذجاً إقليمياً يُحتذى به في تسوية النزاعات الموروثة عن الحقبة الاستعمارية بالوسائل السلمية.

تعهدات بدخول «عهد جديد» من الشراكة

جرت مراسم التوقيع في مقر الاتحاد الأفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث تعهد البلدان بالالتزام التام بقرار محكمة العدل الدولية القاضي بمنح غينيا الاستوائية السيادة الكاملة على جزيرة «مباني» وجزيرتي «كوكوتييه» و«كونغا».

وفي هذا السياق، صرّح وزير خارجية غينيا الاستوائية، سيميون أويونو إيسونو، بأن الملف «حُسم بشكل نهائي ولا رجعة فيه»، داعياً إلى استثمار هذه اللحظة لتأسيس مرحلة جديدة من التعاون المثمر. ومن جانبه، وصف رئيس المجلس الدستوري في الجابون، ديودوني أبا أوونو، الاتفاق بـ «تدشين لعهد جديد من العلاقات الثنائية».

كما رحب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، بالخطوة مؤكداً أنها تضع حداً لنزاع طال أكثر من اللازم، وتبرهن للعالم قدرة المؤسسات القانونية الأفريقية والدولية على إنهاء الخلافات الشائكة عبر الدبلوماسية واحترام سيادة القانون.

جذور الخلاف: سيناريو استعماري يُحسم قانونياً

تعود جذور الأزمة إلى عام 1900، عندما رسمت كل من فرنسا وإسبانيا الحدود بين مستعمراتهما بموجب «معاهدة باريس». وعقب استقلال غينيا الاستوائية عام 1968، طفت أزمة السيادة على الجزر إلى السطح.

وظلت الجابون تتمسك بـ «اتفاقية باتا» (1974) كسند لملكيتها، إلا أن محكمة العدل الدولية قضت بعدم شرعية هذا الادعاء، مؤكدة أن الحقوق السيادية انتقلت تلقائياً إلى غينيا الاستوائية فور نيلها الاستقلال عن إسبانيا.

أهمية استراتيجية واقتصادية تتجاوز الجغرافيا

رغم أن الجزر الثلاث لا تتعدى مساحتها بضعة هكتارات وتكاد تكون خالية من السكان، إلا أن قيمتها الاستراتيجية والاقتصادية تُعد هائلة؛ إذ تقع في قلب خليج غينيا الذي يُعد أحد أثرى الحياض المائية باحتياطيات النفط والغاز في أفريقيا.

ومن المتوقع أن يثمر هذا الاتفاق عن نتائج ملموسة على عدة أصعدة:

  • الاقتصاد والطاقة: إزالة العقبات القانونية أمام استكشاف وتطوير حقول النفط والغاز البحرية المشتركة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

  • الأمن البحري: تعزيز التنسيق الأمني لمواجهة التحديات المشتركة في خليج غينيا، وعلى رأسها القرصنة البحرية، والتهريب، والجريمة المنظمة.

  • الاستقرار الإقليمي: دعم رؤية الاتحاد الأفريقي لـ «إسكات البنادق» وحل النزاعات الحدودية القارية بعيداً عن التصعيد العسكري أو السياسي.

ويبعث هذا الاتفاق إشارة إيجابية للقارة الأفريقية بأكملها حول أهمية التمسك بالقانون الدولي كوسيلة ناعمة لإنهاء التوترات وتغليب المصالح التنموية المشتركة، متحولاً من نقطة نزاع طال أمدها إلى جسرٍ جديد للتكامل والازدهار الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى