أراء وقراءات

جريمة في قاعة الامتحان: من قتل الفكر الحر لصالح التظليل الأعمى؟

حين يُقصى القلم… تختنق العدالة

بقلم: حسن السعدني

لقد أسمعت إذ ناديت حيًّا… ولكن لا حياة لمن تنادي“.

صرخة في عيون الطلاب

ليست مجرد كلماتٍ تُقال، بل صرخةٌ تسكن عيون آلاف الطلاب، عيونٌ أنهكها السهر، وتعبت من الاجتهاد، ثم وجدت نفسها أمام نظامٍ يختزل كل ذلك في دائرةٍ تُظلَّل.

اختزال العقل في دائرة

في لحظةٍ فاصلة، يُختبر الطالب لا فيما فهم، بل فيما اختار. لا في قدرته على التفكير، بل في دقته في التظليل. وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله: أيُّ عدالةٍ هذه التي يُختزل فيها عقل الإنسان في اختيارٍ بين (أ) و(ب) و(ج) و(د)؟

البابل شيت: من وسيلة إلى قيد

لقد تحوّل “البابل شيت” من وسيلةٍ للتنظيم إلى قيدٍ على الفهم، يُضيّق مساحة التعبير، ويُقصي القلم – رمز العلم الأول –  خارج ساحة التقييم. فلا مكان لفكرةٍ مبتكرة، ولا اعتبار لتحليلٍ عميق، ولا تقدير لمحاولةٍ خرجت عن النمط المألوف.

إقصاء المعلم قبل القلم

وليس القلم وحده ما أُقصي، بل أُقصي معه دورُ المعلم، ذلك الذي خبر العقول، واعتاد أن يقرأ ما بين السطور قبل أن يقرأ الكلمات. فالمعلم ليس مُصحِّحًا فحسب، بل شاهدُ عدلٍ على الفهم، يزن الإجابة بميزان العلم والخبرة، ويُقدّر الفكرة وإن تعثّرت عبارتها. وحين يُستبدل هذا الدور الإنساني بآلةٍ لا ترى إلا دوائر، فإننا لا نفقد وسيلة تصحيح فحسب، بل نفقد روح التقييم ذاتها.

ضحايا الخطأ الصغير

وكم من طالبٍ ضاع جهده لا لقصورٍ في الفهم، بل لخطأٍ في التظليل، أو لحظة ارتباكٍ أمام ورقةٍ لا تعترف إلا بإجابةٍ واحدة، حتى وإن كانت الحقيقة أوسع من ذلك.

البكالوريا: حل أم إعادة توزيع للأزمة؟

وفي خضمّ البحث عن بدائل، يلوح في الأفق نظام “البكالوريا” بوصفه حلًا مرتقبًا، يُخفّف من رهبة الفرصة الواحدة، ويمنح الطالب أكثر من محاولة لإثبات قدراته. غير أنّ الحقيقة الأعمق تفرض نفسها: فالأزمة ليست في عدد الفرص، بل في طبيعة التقييم ذاته.

فإذا بقي التقييم حبيس الدوائر، واستمرّ تغييب دور المعلم، فلن يكون نظام البكالوريا سوى إعادة توزيعٍ للخلل لا معالجةً له. إنّ أي نظامٍ تعليمي – مهما بدا متطورًا في شكله – لن يُنصف الطالب ما لم يُعِد الاعتبار للفهم، ويمنح القلم حقّه، ويُعيد للمعلم مكانته بوصفه ميزان العدالة الحقيقي.

التعليم ليس آلة

إننا لا نرفض التطوير، ولا نقف في وجه الحداثة، لكننا نرفض أن يتحول التقييم إلى عمليةٍ ميكانيكية تُقصي العقل بدل أن تُنصفه. فالتعليم ليس معادلةً رقمية، بل عملية إنسانية تُبنى على الفهم، والتحليل، والتعبير.

القسم بالقلم… دلالة المعنى

لقد أقسم الله بالقلم، فقال: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾، لما له من مكانةٍ في توثيق الفكر وبناء المعرفة. فكيف نقبل أن يُستبعد القلم من لحظةٍ هي الأهم في قياس هذا الفكر؟

ثمنٌ مؤجل وخسارة قادمة

إن التوفير في تكلفة التصحيح لا يمكن أن يكون مبررًا لإهدار قيمة التعليم ذاته. فالثمن الحقيقي لا يُدفع اليوم، بل غدًا، حين يخرج إلى المجتمع جيلٌ اعتاد الاختيار بدل التفكير، والحفظ بدل الفهم.

معادلة سقوط الأمم

أمةٌ تُهمّش عقول أبنائها لا يمكن أن تبني مستقبلًا، وأمةٌ تستبدل المعلم بالآلة تُخاطر بأن تفقد روحها قبل أن تفقد مستواها.

الخلاصة: العدالة لا تُظلَّل

إن القضية ليست ورقة امتحان، بل ميزان عدالة. وليست نظامًا تعليميًا فحسب، بل رؤية لمستقبل أمة.

فالعدالة التعليمية لا تُظلَّل… بل تُكتب.

الخبير التربوي حسن السعدني

زر الذهاب إلى الأعلى