هدوء حذر بين الجيش الإثيوبي و”جبهة تيجراي” وسط اتهامات متضادّة وتنسيق إريتري
كتبت – د. هيام الإبس
تسود حالة من الهدوء الحذر والمشوب بالترقب الشريط الحدودي الفاصل بين إثيوبيا والسودان، عقب مواجهات عسكرية ضارية اندلعت خلال الأيام الماضية بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وعناصر “جبهة تحرير شعب تيجراي”.
وتثير هذه التطورات الميدانية الخاطفة مخاوف أمنية وسياسية واسعة النطاق من احتمالية انهيار اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022، ومخاطر انزلاق منطقة القرن الأفريقي مجدداً إلى أتون صراع إقليمي شامل.
اشتباكات بالأسلحة الثقيلة وسقوط ضحايا
وأفادت مصادر محلية بتوقف العمليات العسكرية مؤقتاً عقب معارك عنيفة اندلعت السبت الماضي في منطقة “شيريرينا” الإثيوبية، المحاذية لمنطقة “الفشقة الكبرى” السودانية، واستخدمت فيها الأطراف المتصارعة المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة.
ولم تقتصر آثار المعارك على الداخل الإثيوبي، إذ امتدت تداعياتها الميدانية إلى الأراضي السودانية؛ حيث أعلنت وكالات أنباء عن انتشال 15 جثة لمقاتلين ينتمون للجبهة من مياه نهر “سيتيت”، فيما استقبل مستشفى مدينة “ود الحليو” بشرق السودان ستة جرحى إصاباتهم تفاوتت بين الخطيرة والمتوسطة جراء القتال المُحتدم.
تبادل للاتهامات وسيناريو “الحرب بالوكالة”
وفجّرت هذه المعارك حرباً كلامية وتبادلاً للاتهامات بين الطرفين:
موقف جبهة تيجراي: حمّلت الجبهة الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا المسؤولية الكاملة عن التصعيد العسكري القائم وإعادة نشر التوتر في الشمال.
موقف الحكومة الفيدرالية: اتهم مسؤول إثيوبي الجبهة بالمبادرة بالهجوم على مواقع الجيش في المنطقة الحدودية المشتركة بين إثيوبيا وإريتريا والسودان.
وكشف المسؤول عن وجود مخطط للجبهة لخوض تحرك عسكري ضمن “تحالف ثلاثي” يجمعها بميليشيات “فانو” و”جيش تحرير أورومو”، وبدعم من أطراف خارجية لتنفيذ “حرب بالوكالة” تهدف لإقحام البلاد في مواجهة إقليمية واسعة.
وتستقر هذه التوترات في نطاق جغرافية عسكرية شديدة الحساسية تُعرف بـ “المثلث الحدودي” (إثيوبيا، إريتريا، السودان)، ممتدة من منطقة “أم حجر” الإريترية، مروراً بـ “الحمرة” الإثيوبية، وصولاً إلى منطقتي “حمدايت” و”اللقدي” داخل العمق السوداني.
اختراق سياسي: تقارب غير مسبوق بين أسمرة وتيجراي
وفي تحول دراماتيكي وصفه مراقبون بالمفصل، بث تلفزيون “تيجراي” مشاهد مصورة لاجتماع عسكري رفيع المستوى جمع جنرالات من الجيش الإريتري بقيادات ومسؤولين من “جبهة تحرير شعب تيجراي” داخل الإقليم، مع رفع أشباه الأعلام الرسمية للطرفين.
ويأتي هذا التنسيق العسكري المعلن بين الخصمين السابقين (أسمرة والجبهة) امتداداً لمبادرة “تسيمدو” المسجلة في مايو 2025 لتعزيز التواصل المجتمعي الحدودي؛ وهي المبادرة التي طالما نظرت إليها أديس أبابا بعين الريبة والرفض، معتبرة إياها تحالفاً مستجداً بين الطرفين يهدف إلى تهميش السلطة الفيدرالية.
تحذيرات من تكرار كارثة النزاع السابق
يُذكر أن هذا التصعيد يأتي بعد نحو أربع سنوات من اندلاع حرب تيجراي السابقة، والتي تشير تقديرات الاتحاد الأفريقي إلى أنها حصدت أرواح ما لا يقل عن 600 ألف شخص. ويحذر خبراء شؤون القرن الأفريقي من أن عودة السلاح إلى الشمال الإثيوبي لن تقضي على مكتسبات اتفاق بريتوريا فحسب، بل ستفتح الباب أمام تشابكات أمنية معقدة تتجاوز حدود إثيوبيا لتهدد الاستقرار الإقليمي برُمته




