كندا تعلّق عمل سفارتها في جوبا وتدير ملف جنوب السودان من أديس أبابا

كتبت – د. هيام الإبس
في خطوة دبلوماسية غير متوقعة تعكس تحولاً هيكلياً في طبيعة حضورها بشرق إفريقيا، أعلنت السلطات الكندية تعليق عمليات سفارتها في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان بشكل مؤقت، مع نقل كافة مسؤولياتها الدبلوماسية والقنصلية إلى سفارتها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وتطرح هذه الخطوة تساؤلات عريضة حول أبعاد القرار، لا سيما في ظل غياب جدول زمني لاستئناف العمل الميداني، ومواكبة القرار لمغادرة السفيرة الكندية السابقة دون تسمية بديل لها.
تفاصيل الإجراءات الإدارية ونقل الخدمات
وفقاً لما أكدته وزارة الشؤون العالمية الكندية وتحديثات المواقع الرسمية، فإن الترتيبات الجديدة تُجهز لإنهاء الوجود المباشر للبعثة الكندية في جوبا حالياً. وشمل خطة النقل الإداري ما يلي:
الخدمات القنصلية: أُسندت رسمياً إلى السفارة الكندية في أديس أبابا اعتباراً من 13 يوليو الماضي.
العلاقات السياسية والاقتصادية: تُدار بالكامل من العاصمة الإثيوبية خلال شهر أغسطس الجاري.
ورغم أن الحكومة الكندية لم تصف هذا التعليق بـ “الدائم”، إلا أنها لم تقدم أسباباً تفصيلية تقف خلفه، واكتفت بالعمل الإجرائي لتغطية مصالح رعاياها وعلاقاتها مع جوبا عن بُعد.
سياق أمني وقراءة دبلوماسية
في تعليق له على القرار، اعتبر نيكولاس كوغلان — أول سفير كندي مقيم لدى جنوب السودان — أن تعليق العمليات يمثل “طريقة غير مباشرة للقول إن السفارة قد أُغلقت بالفعل”. وأرجع مراقبون هذه الخطوة إلى جملة من العوامل، أبرزها:
1. الضغوط الأمنية: المخاطر المتزايدة والتحديات الميدانية في البيئة التشغيلية داخل جوبا.
2. التكاليف الإشرافية: ارتفاع ميزانيات إدارة البعثات في المناطق عالية المخاطر.
3. الفراغ القيادي: مغادرة السفيرة الكندية جوان مينز لتولي مهامها الجديدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، دون إعلان أوتاوا عن تعيين خلفٍ لها في جنوب السودان.
حجم المساعدات والالتزام الإنساني
تأتي هذه الخطوة في وقت تتشابك فيه أوتاوا مع جوبا عبر ملفات إنسانية وتنموية ضخمة، مما يضفي على القرار أبعاداً حساسة. وتُظهر الأرقام حجم الارتباط المالي الكندي بالبلاد خلال السنة المالية (2024–2025) حيث
بلغ إجمالي الدعم المالي والإنساني الذي خصصته كندا لجنوب السودان 114 مليون دولار، توزعت بين 91 مليون دولار كمساعدات ثنائية مباشرة و23 مليون دولار عبر برامج ومؤسسات متعددة الأطراف. وتشدد أوتاوا على أن نقل إدارة هذه الملفات إلى أديس أبابا هو مجرد إعادة تنظيم لآليات العمل ومتابعة المساعدات عبر التمثيل غير المقيم، وليس قطاعاً للعلاقات الدبلوماسية.
وتؤكد الحكومة الكندية أن نقل إدارة الملفات إلى أديس أبابا لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع جنوب السودان، بل هو إعادة تنظيم لآليات العمل ومتابعة المساعدات عبر التمثيل غير المقيم.
تساؤلات مفتوحة حول التمثيل المستقبلي
يفتح تقليص التمثيل الدبلوماسي الكندي باب التكهنات حول ما إذا كان الإجراء دليلاً على إعادة تقييم استراتيجي شامل لحضور كندا في المنطقة، أم أنه ترتيب أمني وتكتيكي عابر. ويبقى السؤال قائماً في الأوساط الدبلوماسية: هل ستعود أوتاوا لفتح أبواب سفارتها في جوبا فور تحسن الظروف، أم أن خيار “الإدارة عن بُعد” سينقلب إلى استراتيجية دائمية؟




