أبيي على خط التماس ..و جوبا نحو منزلق أكثر خطورة

هل تستغل جوبا حرب السودان لفرض “واقع سياسي وأمني” جديد؟
كتبت – د. هيام الإبس
تتجه الأزمة في منطقة أبيي المتنازع عليها بين الخرطوم وجوبا نحو منزلق أكثر خطورة، وسط تحذيرات سودانية متصاعدة من محاولات جنوب السودان استغلال انشغال الدولة السودانية بأتون الحرب الداخلية لفرض “أمر واقع” جديد بالمنطقة. وتأتي هذه التطورات في ظل تقارير عن تحركات عسكرية في المنطقة المفترض أنها منزوعة السلاح، بالتزامن مع قرار سياسي مثير للجدل من جوبا يقضي بإدراج أبيي ضمن دوائرها الانتخابية، ما يفتح جبهة توتر جديدة بين البلدين.
النفوذ العسكري.. خرق الترتيبات الأمنية
تُلقي التطورات الميدانية بظلالها على الوضع الأمني الداخلي للمنطقة التي تُدار بموجب ترتيبات أمنية خاصة تفرض كونها منزوعة السلاح لضمان عدم الاحتكاك المباشر.
وتنظر الخرطوم ببالغ القلق إلى استمرار وجود قوات جنوب سودانية داخل أبيي، معتبرة أن الأمر لا يتوقف عند حدود الوجود الميداني، بل يمتد لكونه استراتيجية تدريجية للسيطرة الأمنية تمهيداً لترسيخها سياسياً وإدارياً.
التصعيد السياسي.. الانتخابات كأداة لتثبيت السيادة
ولم تقف التطورات عند الجانب العسكري، بل تجاوزتها إلى خطوات سياسية وإدارية اعتبرتها الخرطوم الأشد خطورة، والمتمثلة في شمل أبيي ضمن الدوائر الانتخابية لجنوب السودان.
ويحمل هذا الإجراء دلالات تتعدى ممارسة الحقوق الدستورية، إذ يراه السودان رسالة صريحة تحاول من خلالها جوبا تكريس مطالبتها بالمنطقة وتثبيت نفوذها عبر المؤسسات الرسمية والانتخابية، بأسلوب “القوة الناعمة”.
معادلة الحرب في السودان وحسابات الجوار
تأتي هذه التحركات في وقت تخوض فيه الحكومة السودانية نزاعاً داخلياً ممتداً يستنزف قدراتها العسكرية والسياسية، ما جعل الحدود الجنوبية أكثر هشاشة.
وتتخوف الخرطوم من أن تقع بين فكي القتال الداخلي ومواجهة نزاع حدودي متصاعد، إذ يُقرأ تحرك جوبا في هذا التوقيت كاستغلال لظروف الانشغال السوداني بغية تحقيق مكاسب جيو-سياسية على الأرض قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
حشد ووجود عسكري
خطوات إدارية وانتخابية المتبوعة بفرض أمر واقع جديد
ردود فعل وتصعيد سياسي
تقييم الميدان.. تصعيد بلا مواجهة شاملة
على الرغم من المحاذير المتصاعدة، تشير المعطيات المتاحة إلى غياب أي تقارير أممية تؤكد شن قوات جنوب السودان هجوماً عسكرياً واسعاً على أبيي حتى اللحظة. ويكشف ذلك عن أن الأزمة الحالية تتركز في إطار التصعيد السياسي والانتشار الميداني، إلا أن المخاطر تظل قائمة من احتمال أن يؤدي أي احتكاك محدود إلى اشتعال مواجهة أكبر في منطقة تتداخل فيها العوامل القبيلة، الأمنية، والمصالح النفطية.
السيناريوهات المستقبلية.. التدرج نحو فرض الوقائع
لا يتمثل الخطر الأكبر في الوقت الراهن بظهور حرب شاملة ومباشرة بين السودان وجنوب السودان، بقدر ما يكمن في سيناريو “التدرج نحو الأمر الواقع”.
فالتتابع المتمثل في:
- الوجود العسكري المستمر داخل المنطقة منزوعة السلاح.
- الخطوات الإدارية وإدراج الدوائر الانتخابية.
- ردود الفعل السياسية والميدانية المضادة من الخرطوم.
قد يؤدي هذا التتابع إلى إغلاق منافذ الحلول السلمية وتقليص مساحات التسوية المرنة بين الجانبين.
تظل أبيي، بثرائها النفطي وتعقيداتها القبلية والحدودية، حجر الزاوية في استقرار العلاقات بين الخرطوم وجوبا منذ انفصال الجنوب عام 2011.
ومع دخول الأزمة مرحلة حرجة من فرض إرادات القوى قبل التفاوض، يبدو السؤال قائماً حول قدرة الطرفين على احتواء هذا التصعيد الدبلوماسي والميداني وتجنب تحويل أبيي إلى ساحة صراع مفتوحة تُهدد الاستقرار الإقليمي برمته.



