أراء وقراءاتاحدث الاخبار

فاتح أفريقيا الجديد (33) القدوة… حين يسبق الفعل الكلام

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في حياة عبد الرحمن السميط، لم تبدأ القدوة من إفريقيا ولم تبدأ من المستوصفات، أو الآبار، أو المدارس، أو القرى البعيدة بدأت قبل ذلك بكثير.

فالسميط لم يتعلم أن يكون قدوة عندما أصبح مشهورًا، بل كان يتصرف كقدوة قبل أن يعرف الناس اسمه.

وهذا ربما يفسر الكثير من تفاصيل حياته بعد ذلك لأن الإنسان لا يتحول فجأة إلى ما هو عليه في لحظة الشهرة.

الشخصية الحقيقية تظهر عادة قبل أن تفتح لها الأبواب وقبل أن يأتي التصفيق وقبل أن يعرف الناس الاسم وهنا تكمن قيمة القدوة.

تعريف القدوة الحقيقية

فالقدوة ليست إنسانًا مثاليًا لا يخطئ وليست شخصية مصنوعة لتُعلّق صورتها على الجدران.

القدوة في أبسط تعريفاتها هي إنسان يجعل سلوكه أكثر إقناعًا من كلامه.

نحن نكثر الحديث عن القدوة نتحدث عنها في المدارس وفي الأسرة وفي المنابر وفي المحاضرات لكننا كثيرًا ما نبحث عنها في الخطب، لا في السلوك نحب القدوة التي تتحدث جيدًا وتحسن الشرح وتجيد الإقناع وتعرف كيف تختار الكلمات لكننا أحيانًا نتجاهل القدوة التي تعمل بصمت؛ لأنها لا تمنحنا مادة جاهزة للإعجاب.

القدوة لا تتحدث عن نفسها ولا تشرح لنا كل يوم لماذا تستحق الثقة، بل تفعل ثم تترك الفعل يتحدث وهذا ما يجعل القدوة الحقيقية صعبة لأن الكلام يمكن أن يُحفظ أما السلوك فيُختبر.

  • يمكن لأي شخص أن يتحدث عن الصدق: لكن ماذا يفعل عندما يكون الكذب أسهل؟
  • يمكن لأي شخص أن يتحدث عن الرحمة: لكن ماذا يفعل عندما يكون المحتاج أمامه في لحظة لا يراه فيها أحد؟
  • يمكن لأي شخص أن يتحدث عن التضحية: لكن ماذا يفعل عندما تصبح التضحية مكلفة فعلًا؟

هنا تبدأ القدوة.

عبد الرحمن السميط لم يقول إني نموذج يجب أن يقلدوه.

د. عبد الرحمن السميط لم يكن يقول: افعلوا مثلي، بل عاش بطريقة تجعل الآخرين يسألون أنفسهم: لماذا لا أفعل شيئًا مشابهًا؟

وهذا فارق كبير فالقدوة الحقيقية لا تفرض نفسها على الآخرين، بل تجعل الفعل نفسه قابلًا للتكرار.

كيف تتكون القدوة 

حين يرى الطفل أباه يساعد محتاجًا، يتعلم أكثر مما يتعلمه من عشرات المحاضرات عن الرحمة.

وحين يرى الطالب معلمه يحترم الجميع، يتعلم معنى الاحترام دون أن يحتاج إلى درس طويل.

وحين يرى الموظف قائده يتحمل المسؤولية قبل أن يوزع اللوم، يفهم معنى المسؤولية بطريقة لا يستطيع أي كتاب أن يشرحها بالدرجة نفسها.

  • فالإنسان يتعلم بالعين قبل الأذن.
  • ويراقب أكثر مما نعتقد.
  • ويقلد أكثر مما نعترف.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نطلب من الناس قيمًا لا نعيشها نحن:

  • كيف نطلب من أبنائنا الصدق، وهم يسمعوننا نكذب أمامهم؟
  • كيف نطلب منهم احترام الآخرين، وهم يروننا نحتقر المختلف؟
  • كيف نطلب منهم العطاء، ونحن لا نعطي إلا عندما نُصوَّر؟
  • وكيف نطلب منهم أن يتحملوا المسؤولية، ونحن نقضي حياتنا في البحث عن شخص آخر نلقي عليه اللوم؟

القدوة ليست درسًا القدوة حياة كاملة يرها الأخرون.

تجربة عبد الرحمن السميط مختلفة

  • فهو لم يكتفِ بالحديث عن الفقراء، بل ذهب إليهم.
  • لم يتحدث عن المرضى من بعيد، بل كان يعمل بينهم.
  • لم يتحدث عن التعليم بوصفه فكرة جميلة، بل دخل المدارس في صميم مشروعاته.
  • ولم يتحدث عن الماء باعتباره حقًا إنسانيًا فقط، بل حُفرت الآبار لتصل المياه إلى الناس.

كانت الفكرة تتحول باستمرار إلى فعل.                                                         والفعل يتحول إلى أثر.                                                                              والأثر يتحول إلى حياة جديدة لأشخاص ربما لم يعرفوا اسمه أصلًا.

هنا تظهر قيمة الفعل:

  • أن تنجز شيئًا قد لا تعرف صاحبَه فيما بعد.
  • وأن تساعد إنسانًا قد لا تتوقع منه كلمة شكر.
  • وأن تبني مشروعًا يستفيد منه أشخاص لن يسألوك يومًا من أين جئت.

هذا هو الإخلاص في صورته العملية.

السميط ..عنوان الإخلاص في هذا العصر

السميط لم يُكثر من الكلام عن الإخلاص لكن حياته قدمت عنه درسًا طويلًا لم يكن بحاجة إلى أن يشرح للناس معنى أن تجعل العمل أكبر من نفسك لأن مسيرته نفسها كانت تفعل ذلك.

بدأ مع مجموعة من زملائه وهو طالب ثم استمرت الفكرة معه بعد ذلك ثم اتسع مجال العمل ثم أصبحت المبادرات عملًا مؤسسيًا في إفريقيا.

وهذا التسلسل مهم جدًا لأن القدوة ليست لحظة، بل هي تراكم موقف بعد موقف قرار بعد قرار سنوات بعد سنوات قد يكون الإنسان قدوة في لحظة، ثم يهدم صورته كلها في موقف واحد لهذا لا تُبنى القدوة بالكلمات، بل تُبنى بالتكرار.

  • أن تكون صادقًا عندما يراك الناس، وصادقًا عندما لا يراك أحد.
  • أن تكون رحيمًا عندما تكون قادرًا على الرحمة، وعندما لا تحصل منها على أي مكسب.
  • أن تفعل الخير عندما يكون مريحًا، والأهم أن تفعله عندما يصبح متعبًا.

نحن نحب القدوات المريحة

القدوة التي تجعلنا نشعر بالفخر فقط هي القدوة التي تقول لنا: أنتم رائعون، أنتم ناجحون، أنتم مختلفون.

لكن القدوة الحقيقية تفعل شيئًا أكثر إزعاجًا تضع مرآة أمامك تقول لك: وأنت؟             ماذا فعلت؟

هنا يصبح عبد الرحمن السميط من النوع الثاني قدوة لا تُصفّق لها بسهولة لأنها لا تمنحك فرصة طويلة للاكتفاء بالإعجاب.

تعجب بقصته قليلًا… ثم تبدأ الأسئلة.

  • إذا كان قد ترك الراحة واختار الطريق الصعب، فماذا عن اختياراتي أنا؟
  • إذا كان قد رأى مشكلة صغيرة وتحرك وهو طالب، فلماذا أنتظر أنا المشروع الكبير حتى أفعل شيئًا؟
  • إذا كان قد عاش سنوات طويلة في الميدان، فهل أستطيع أن أتحمل بضعة أيام من العمل دون أن أشكو من قلة التقدير؟

هنا تتحول القدوة من صورة إلى مسؤولية.

وهذه هي أخطر مراحل التأثر أن تنتقل من: “ما أجمله!”  إلى: “ماذا سأفعل؟“

الأفعال النادرة أكثر إقناعًا

في عالم مزدحم بالنصائح، أصبحت الأفعال النادرة أكثر إقناعًا من ألف خطاب فنحن نعيش الأن في عصر يمكن فيه لأي شخص:

  • أن يكتب منشورًا عن الرحمة.
  • وأن يتحدث عن النجاح.
  • وأن يعطي نصائح عن القيادة.
  • وأن يكتب عن التضحية.

لكن الكلام أصبح متاحًا للجميع أما أن تتحول الكلمات إلى سلوك، فهذه هي المشكلة.

  • الحديث عن مساعدة الفقراء سهل لكن ماذا تفعل عندما تقف أمام محتاج؟
  • الحديث عن التعليم جميل لكن هل ساعدت طفلًا على التعلم؟
  • الحديث عن الإنسانية مؤثر لكن هل عاملت الإنسان الذي يختلف عنك بإنسانية؟
  • الحديث عن الإيمان مريح لكن هل ظهر إيمانك في طريقة تعاملك مع الضعيف؟

هنا يتوقف الكلام ويبدأ الامتحان.

عبد الرحمن السميط ومعادلة القدوة

عبد الرحمن السميط فهم هذه المعادلة بطريقة مبكرة لهذا كان أثره يتجاوز ما قاله في لقاء أو محاضرة كان الناس يرون مسيرته ويشاهدون استمراره ويعرفون أنه لم يكتفِ بأن يتحدث عن إفريقيا، بل ذهب إليها، وعاش بين أهلها، وشاركهم تفاصيل حياتهم، وتحمل صعوبة الطريق.

وفي إحدى مقابلاته تحدث عن تجربته الطويلة في إفريقيا، وعن العمل الذي لم يكن قائمًا على التمييز في تقديم المساعدة، مؤكدًا أن الغذاء والمياه والمدارس والمشروعات الخدمية كانت مفتوحة للناس دون أن يجعل المساعدة ثمنًا لموقف ديني أو دنيوي وهذا يوضح جانبًا مهمًا من القدوة عنده: أن القيمة التي يؤمن بها يجب أن تظهر في السلوك، لا في الشعار فقط وهذا هو معنى أن يسبق الفعل الكلام.

أن تقول للناس من خلال سلوكك: هذه هي القيمة التي أؤمن بها فلا تحتاج أن تصرخ ولا تحتاج إلى أن تدخل في جدال فالفعل الصادق يملك لغة يفهمها الجميع.

القدوة ليست أن تكون بلا ضعف

لأننا أحيانًا نقدم النماذج الإنسانية بطريقة تجعلها مستحيلة التقليد نضع حول الشخص هالة كبيرة ثم نقول للناس: كونوا مثله.

لكن السميط لم يكن خارقًا كان طبيبًا وكان أبًا وكان إنسانًا له مشاعر وتعب ومخاوف لكن الفرق أنه لم يسمح لهذه الأشياء أن تمنعه من أداء ما آمن بأنه واجبه.

هنا يصبح السؤال أكثر قربًا منا فنحن لسنا مطالبين أن نكون عبد الرحمن السميط ولا أن نذهب إلى إفريقيا ولا أن نترك أعمالنا ولا أن نعيش بالطريقة نفسها لكننا مطالبون أن نسأل:

  • ما الذي أستطيع أن أفعله في مكاني؟
  • ما المشكلة التي أراها كل يوم وأتظاهر بأنها لا تخصني؟
  • من الإنسان الذي يحتاج إلى مساعدة مني؟
  • وما القيمة التي أقول إنني أؤمن بها، لكن سلوكي لا يعكسها؟

هذه الأسئلة الصغيرة هي بداية القدوة.

القدوة لا تبدأ عندما تملك الإمكانات الكبيرة، بل عندما ترفض أن تجعل قلة الإمكانات عذرًا لعدم فعل شيء.

  • قد لا تملك سيارة لكن يمكنك أن تساعد شخصًا في الوصول.
  • قد لا تملك مدرسة لكن يمكنك أن تعلّم طفلًا.
  • قد لا تملك مؤسسة لكن يمكنك أن تبدأ مبادرة صغيرة.
  • قد لا تملك المال لكن ربما تملك وقتًا.
  • وقد لا تملك الوقت لكن ربما تملك كلمة تستطيع أن تعيد الأمل إلى إنسان.

القدوة ليست بحجم ما تملك، بل بصدق ما تفعل بما تملك.

جانب آخر أكثر عمقًا

القدوة لا تعني فقط أن يفعل الناس ما فعلته، بل أن يتعلموا منك كيف يفكرون وهذه ربما أعظم صورة للقدوة.

  • أن تترك في شخص آخر طريقة مختلفة في رؤية الحياة.
  • أن تجعله يرى المحتاج إنسانًا لا رقمًا.
  • والمشكلة مسؤولية لا خبرًا.
  • والعمل واجبًا لا استعراضًا.
  • والنجاح أمانة لا فرصة للتفاخر.

وحين تغير طريقة تفكير إنسان، فأنت لا تغيّر سلوكه اليوم فقط، بل قد تغيّر عشرات القرارات التي سيتخذها في المستقبل.

وهنا يصبح أثر القدوة مضاعفًا لأنك لا تعرف إلى أين يصل ما زرعته في عقل إنسان.

القدوة الحقيقية لا تحب أن تكون نهاية الطريق

القدوة تحب أن تكون بداية طريق جديد وعبد الرحمن السميط كان من هذا النوع لم يكن يريد أن تبقى كل الأشياء مرتبطة به.

بل كان يعمل ضمن فرق ومؤسسات، وهو ما ينسجم مع فكرة أن الخير لا ينبغي أن يبقى مرتبطًا بحضور شخص واحد كما أن المصادر التي توثق سيرته تذكر أن العمل معه تطور من مبادرات مبكرة إلى كيان مؤسسي واسع امتد عبر دول إفريقية ومجالات مختلفة وهذه نقطة مهمة جدًا.

حين يصبح الإنسان رسالة

ربما لهذا بقي عبد الرحمن السميط حاضرًا في الذاكرة ليس لأنه كان أفصح الناس ولا لأنه امتلك أكبر عدد من الكلمات ولا لأنه جلس على منصة وتحدث عن التضحية.

بل لأنه جعل حياته نفسها نصًا مفتوحًا قرأ فيه الناس معنى العطاء وشاهدوا فيه معنى الصبر ورأوا كيف يمكن لطبيب ناجح أن يترك الطريق المريح، ويختار طريقًا أكثر تعبًا، ثم يستمر فيه سنوات طويلة.

  • لم يقل للناس: كونوا رحماء، بل عاش الرحمة.
  • ولم يقل: تحملوا المسؤولية، بل حمل جزءًا من مسؤولية آخرين.
  • ولم يقل: انظروا إلى الفقراء، بل ذهب إليهم.

وهنا تكمن القوة.

أن تصبح حياتك هي الإجابة عن الأسئلة التي تتحدث عنها.                                فالأخلاق التي لا تظهر في السلوك مجرد أفكار جميلة.                                        والإيمان الذي لا يتحول إلى فعل يبقى كلامًا مؤجلًا.

والقدوة التي تحتاج إلى أن تعلن عن نفسها، تحتاج إلى أن تراجع شيئًا في داخلها.

لأن القدوة الحقيقية لا تقول: انظروا إليّ.

بل تجعل الآخرين يقولون: أريد أن أفعل شيئًا أيضًا.

وهذه هي أعظم نتيجة يمكن أن يصل إليها إنسان.

  • أن يرحل من المكان، لكن يبقى الدافع.
  • أن ينتهي صوته، لكن تبقى الفكرة.
  • أن تتوقف خطواته، لكن يبدأ آخرون السير.
  • أن يتحول الإنسان من شخص يُعجب به الناس… إلى قيمة يعيشها الناس.

عبد الرحمن السميط لم يكن قدوة لأنه كان مختلفًا عن البشر، بل قدوة لأنه قرر أن يستخدم ما يملكه من علم ووقت وقدرة في شيء أكبر من نفسه.

وهذا هو الجزء الذي يخصنا نحن:

  • ما القيمة التي أقول إنني أؤمن بها… ثم لا أجدها في أفعالي؟
  • ما الكلمة التي أكررها كثيرًا، لكنني لا أعيشها؟
  • ما المشكلة التي أراها كل يوم، ثم أقول: سيأتي غيري؟

ربما لا تحتاج القدوة إلى مشروع ضخم بل إلى موقف صغير:

  • أن تساعد شخصًا دون أن يراك أحد.
  • أن تعفو حين تستطيع الانتقام.
  • أن تعطي حين لا تنتظر مقابلًا.
  • أن تحمل مسؤوليتك بدل أن تبحث عن الأعذار.
  • أن تحترم إنسانًا يختلف عنك.
  • أن تعلّم طفلًا.
  • أن تمد يدك لمن سقط.
  • أن تبدأ الخير قبل أن يسألك أحد.

لأننا في النهاية لا نترك خلفنا ما قلناه فقط بل

  • نترك الطريقة التي عاش بها الناس معنا.
  • نترك شعورًا.
  • نترك أثرًا.
  • نترك إنسانًا ربما أصبح أفضل لأننا مررنا في حياته.

وهنا فقط نفهم معنى القدوة

ليست أن تجعل الناس يتذكرون اسمك بل أن تجعلهم يتذكرون القيمة التي عشت من أجلها.

فالكلمات قد تُنسى، والصور قد تُبهت، والأسماء قد يطويها الزمن… لكن الفعل الصادق لا ينتهي عند صاحبه.

قد ينتقل إلى قلب إنسان ومن قلب إنسان إلى آخر حتى يصبح سلوكًا ثم يصبح ثقافة ثم يصبح حياة.

وربما لهذا، كان عبد الرحمن السميط من تلك النماذج التي لا تطلب منك أن تصفق لها طويلًا.

بل تطلب منك أن تتوقف قليلًا… وأن تنظر إلى نفسك.

ثم تسأل السؤال الأصعب والأصدق: بعد أن رأيت ما فعله… ماذا ستفعل أنت؟

فربما تكون الإجابة التي ستكتبها بأفعالك اليوم… هي أجمل فصل في قصتك غدًا.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى