الاسرة والطفل

وهم الأمان داخل البيت

بقلم / الإعلامي نبيل قشطي

 في العصر الرقمي المتسارع، تعيش العديد من العائلات في “وهم الأمان” مظنةً أن حجز الأبناء داخل جدران المنازل وتزويدهم بالأجهزة الذكية يكفيهم شرور الشارع ومخاطره؛ بيد أن الحقيقة الصادمة أن العالم بأسره بات يقتحيم غرفهم المغلقة عبر تلك الشاشات.

وبينما تطمئن الأسر لوجود أطفالها أمام أعينهم، يتسلل الاستهلاك السلبي للمعلومات والمحتويات غير الملائمة ليخلق اضطرابات سلوكية وفجوات معرفية تعيق التفكير النقدي لديهم.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة لإعادة هندسة مفاهيم التربية الرقمية وخلق توازن واعي بين العالم الحقيقي المتمثل في الحركة واللعب والتواصل الإنساني، وبين العالم الرقمي، في قضية جوهرية يسلط الضوء عليها ويناقش أبعادها موقع وضوح الإخباري.

خطورة الأمان الظاهري والعالم الرقمي المغلق

هناك قضية شديدة الأهمية، وهي أن بعض العوائل تتصور أنها إذا منعت أولادها من الخروج إلى الشارع، وأبقتهم داخل الغرف، ووفرت لهم اللابتوب والآيباد والأجهزة الذكية وألعاب الفيديو، فإنها بذلك توفر لهم الأمان.

فالأسرة ترى الطفل أمامها داخل الغرفة، فلا يذهب إلى الخارج، ولا يحتك بأشخاص مجهولين أو غير مجهولين، فتتصور أنها حمت ابنها من الأخطار. لكن هذا الأمان قد يكون أمانًا ظاهريًا، لأن العالم كله أصبح يدخل إلى الغرفة من خلال هذا الجهاز. فالطفل أو المراهق قد يكون موجودًا جسديًا داخل البيت، لكن المحتوى الذي يصل إليه قادر على التأثير في شخصيته بصورة عميقة، وربما يكون هو العامل الذي يخلق الاختلال، بينما الأسرة مطمئنة لأنها ترى ابنها أمامها.

تصور طفلًا صغيرًا يحمل جهازًا ذكيًا، وفجأة يظهر أمامه محتوى ضار أو غير لائق، ماذا يحدث لهذا الطفل؟ يمكن أن يتعرض إلى صدمة شديدة، ثم تظهر عنده حالة من الاندفاع والاختلال والاضطراب السلوكي، لأنه لم يتعلم كيف يتحكم في نفسه، ولا يعرف كيف يكون صبورًا.

مخاطر الاستهلاك السلبي للمعلومات 

ومن المفاهيم المهمة في هذا السياق ما يُعرف بالاستهلاك السلبي للمعلومات، والمقصود به أن تصل إلى الطفل معلومات غير ملائمة مع عمره ولا طبيعته، فالطفل يحتاج إلى معلومات محددة تتناسب مع المرحلة التي ينمو فيها، وليس كل ما تستطيع الشبكة أن تقدمه له.

كثرة المعلومات لا تؤدي بالضرورة إلى أن يصبح الطفل ذكيًا أو عبقريًا، لكن العبقري هو الذي ينمو نموًا طبيعيًا ومعرفيًا، وتكون لديه قدرة على التحليل والنقد والفهم، ويملك في الوقت نفسه خبرة اجتماعية وقدرة على التواصل مع الآخرين.

خطورة التقليل من مهارات التفكير النقدي

يظهر الاستهلاك السلبي لوسائل الإعلام عندما يتصفح الطفل أو المراهق مواقع التواصل من دون وعي، أو يشاهد تدفقًا مستمرًا من محتويات يوتيوب ومنصات أخرى، دون مشاركة نقدية أو تحليل لما يتلقاه. وهنا يصبح الطفل متلقيًا لروايات جاهزة ومعارف سطحية. هذا النوع من الاستهلاك يمكن أن يقلل من مهارات التفكير النقدي ويعيق التعلم العميق، لأنه يضعف قدرة الطفل على التحليل والتركيب والتمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة، وهي مهارات تزداد أهميتها كلما ازدادت البيئة الرقمية تعقيدًا.

العصر الرقمي يمكن أن يعطي كمية أكثر من المعلومات تكون أكبر من قدرته على تحليلها وربطها بخبرته، فيتحول الكم المعرفي من فرصة للنمو إلى عبء معرفي إذا لم يكن هناك تدرج وانتقاء وتربية.

مسؤولية التربية الرقمية وبناء الشخصية الحقيقية

مسؤولية التربية الرقمية لا تقوم على إخراج الطفل من التكنولوجيا، وإنما على أن نحافظ أولًا على عالمه الحقيقي، ونمنحه اللعب والحركة والاحتكاك والصداقة والحوار، ثم ندخله إلى العالم الرقمي بصورة تجعله يستخدم الجهاز من موقع الإنسان الذي تكونت شخصيته، لا من موقع الطفل الذي أصبحت الشاشة هي التي تتولى تشكيله.

الإعلامى نبيل قشطى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى