أراء وقراءات

“أنت لوحدك؟!”.. تكتيك سياسي على المقهى السكندري للسيطرة على الموارد المحدودة

بقلم/ مدحت مرسي

بعد جولة قصيرة ، وصلنا ونزلنا من السيارة، ومن هنا أحييكم.. جلستُ على مقهى في منطقة محطة الرمل العريقة بالإسكندرية، مستمتعاً بنسمات الصباح السكندري الساحر على الكورنيش، غارقاً في تفاصيل البحر وهدوء البدايات. وفجأة، قطعت هذا الصمت الصباحي فتاة اقتربت قائلة بنبرة هادئة: «أنت لوحدك؟».

عقلي -كعادة العقل البشري في مواجهة المواقف اللطيفة- رسم سريعاً سيناريو وردياً، فابتسمتُ وقلت لها برحابة صدر وثقة: «نعم، اتفضلي».. متبوعاً بجملة في سرّي: “حلو نهارنا نادي”. لكن الصدمة غير المتوقعة كانت هنا؛ أخذت الكرسي الذي بجواري.. وذهبت!

وبس خلاص.. لا لسه، القصة لم تنتهِ هنا!

صدمة خيبة الأمل وعلم نفس “الكرسي الشاغر”

سحب الكرسي والمغادرة السريعة شكّل صدمة وخيبة غير متوقعة لسيناريو العقل؛ هذا السلوك في الحقيقة يعكس الأنانية الذاتية البحتة للآخر، حيث لم تكن “أنت” مقصوداً بذاتك أو بحضورك، بل كنت مجرد عائق فيزيائي يقف بينها وبين الكرسي الذي تحتاجه لطاولتها!

انتبه معي أيها القارئ؛ السؤال هنا: «أنت لوحدك؟» لم يكن سؤالاً استكشافياً عاطفياً عن حالتك الاجتماعية، أو رغبتك في “الونس” والحديث، بل كان سؤالاً استقصائياً بحتاً، معناه الحقيقي والمجرد من المشاعر: «هل هذا الكرسي شاغر؟».

والدليل القاطع على ذلك، أنه بمجرد حصولها على الإجابة (التي أكدت غياب أي شخص آخر يشغل المقعد)، انتهت حاجتها التواصلية معك تماماً. الحركة كانت عملية، سريعة، وخالية من أي مجاملات اجتماعية إضافية، لأن “الهدف الأسمى” (الكرسي) قد تحقق بالفعل.

المقهى السكندري.. صراع القوى على “الموارد المحدودة”

المقهى السكندري على الكورنيش في الصباح ليس مجرد مكان لتناول القهوة، بل هو تجسيد حي للمساحة العامة التي تتصارع فيها القوى البشرية على “الموارد المحدودة” (المقاعد، الإطلالة المباشرة على البحر، والراحة).

أيها الأحبة الكرام من “المصطافين”.. افهموني صح!

ما حدث لي في ذلك الصباح هو “تكتيك سياسي مصغر”، استُخدمت فيه لغة دبلوماسية ناعمة ومخادعة جداً («أنت لوحدك؟») لانتزاع اعتراف منك يرفع سيادتك وحقك في ملكية الكرسي المجاور.

وبمجرد أن منحتها “الشرعية” بإجابتك الترحيبية المتسرعة، قامت فوراً بـ “استلاب” المورد (الكرسي) ونقله بالكامل إلى دائرة نفوذها وطاولتها الخاصة، تاركة إياك في مساحتك السابقة.. لكن بموارد أقل، وصدمة أكبر!

ماتفهمنيش غلط.. إنه مجرد صباح سكندري بامتياز!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى