اقتصاد الغضب.. لماذا تنتشر المنشورات المستفزة أكثر من غيرها؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
في كل مرة نتصفح فيها منصات التواصل الاجتماعي، نلاحظ المشهد نفسه: منشور غاضب يحصد آلاف التعليقات، وفيديو مستفز يحقق ملايين المشاهدات، بينما تمر المنشورات الهادئة أو التوعوية بلا اهتمام يُذكر.
هذا لم يعد مجرد صدفة، بل جزء من منطق جديد يحكم الفضاء الرقمي، يمكن تسميته بـ “اقتصاد الغضب”؛ حيث تصبح قيمة المحتوى مرتبطة بقدرته على إثارة الانفعال أكثر من تقديم المعرفة.
*الغضب… العملة الجديدة في العالم الرقمي
تعتمد المنصات على “اقتصاد الانتباه”، أي أن وقت المستخدم هو المورد الأهم. وكلما طال بقاؤه داخل المنصة، زادت الأرباح.
ومع كثرة المحتوى، أصبحت المشاعر القوية، وعلى رأسها الغضب، من أكثر الوسائل فاعلية لجذب الانتباه. فالمنشورات المستفزة تدفع المستخدم إلى التعليق أو المشاركة، وهو ما تعتبره الخوارزميات مؤشرًا على النجاح.
*لماذا يحب العقل المحتوى المستفز؟
يميل الإنسان طبيعيًا إلى الانتباه لما يهدده أو يثيره، وهي ظاهرة تُعرف بـ”الانحياز نحو السلبية”. لذلك تجذبنا العناوين المثيرة والخلافات الحادة حتى لو رفضناها، لأن مجرد التفاعل معها يزيد انتشارها.
*الخوارزميات لا تغضب… لكنها تكافئ الغاضبين
الخوارزميات لا تشعر، لكنها تقيس السلوك. فإذا حقق منشور مستفز تفاعلًا أكبر، تدفعه المنصة إلى مزيد من المستخدمين.
وهكذا تدخل المنصات في دائرة متكررة: محتوى مستفز، ثم تفاعل مرتفع، ثم انتشار أوسع، ثم المزيد من المحتوى المثير للجدل.
*صناعة الاستفزاز… عندما يصبح الجدل استراتيجية
في بعض الحالات، لم يعد الاستفزاز نتيجة اختلاف طبيعي في الرأي، بل أصبح أسلوبًا مقصودًا للانتشار. فالرأي المتوازن غالبًا لا يحقق ما يحققه التصريح الصادم أو العنوان المبالغ فيه.
لذلك تُضخَّم الخلافات أحيانًا، وتُطرح القضايا بصورة حادة، ليس للوصول إلى الحقيقة، بل لصناعة التفاعل.
*ماذا يخسر المجتمع؟
قد يبدو الغضب الرقمي عابرًا، لكنه مع التكرار يضعف الحوار الهادئ، ويزيد الاستقطاب، ويجعل النقاش العام قائمًا على ردود الفعل بدل التفكير المتأني، كما أن التعرض المستمر لهذا النوع من المحتوى يرفع التوتر ويخلق شعورًا دائمًا بأن المجتمع يعيش صراعًا لا ينتهي.
*هل يمكن كسر دائرة الغضب؟
لا يعني ذلك الابتعاد عن المنصات، بل إعادة النظر في طريقة التفاعل معها. فكل تعليق غاضب أو مشاركة غير محسوبة قد تزيد انتشار المحتوى المستفز.
أما دعم المحتوى الرصين، والتحقق من المعلومات، وضبط الانفعال قبل التفاعل، فهي خطوات بسيطة تساعد في بناء بيئة رقمية أكثر توازنًا.
وفي النهاية.. فإن المشكلة ليست في وجود الغضب، فهو شعور إنساني طبيعي، بل في تحوله إلى سلعة رقمية تُضخَّم وتُتداول من أجل النقرات والمشاهدات.
