أراء وقراءات

انتخابات مجالس إدارة مراكز الشباب.. مسئولية واختيار ورقابة

بقلم: حسن السعدني

 

انتخابات تصنع مستقبل الشباب

 ليست انتخابات مجالس إدارات مراكز الشباب مجرد صناديق تُفتح وأصوات تُحصى ثم تُغلق صفحة الانتخابات بإعلان النتائج. فالمسألة أكبر من ذلك بكثير؛ لأن من يختاره أعضاء الجمعية العمومية لا يتولى منصبًا للوجاهة أو الظهور، وإنما يتحمل مسئولية إدارة مؤسسة تمس حياة الشباب، وتتعامل مع منشآت وموارد يفترض أن تكون موجهة لخدمتهم.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من فاز في الانتخابات؟ وإنما: ماذا سيفعل من فاز بهذه الثقة؟ وكيف ستتم محاسبته على ما قدمه؟

الاختيار.. أول اختبار

مركز الشباب ليس مجرد ملعب أو مبنى أو مساحة تُؤجر بالساعات، وإنما مؤسسة مجتمعية يفترض أن تفتح أبوابها أمام النشء والشباب، وتساعد في اكتشاف المواهب، وتشجع ممارسة الرياضة، وتقدم الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وتوفر بيئة إيجابية لاستثمار طاقات الشباب.

ومن هنا تصبح مسئولية الجمعية العمومية كبيرة؛ فاختيار أعضاء مجلس الإدارة يجب أن يقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل، لا على المجاملة أو الصداقة أو العصبية أو المصالح الشخصية.

فالاختيار الخاطئ لا يعني فقط وجود مجلس أقل كفاءة، وإنما قد يعني ضياع فرص كان يمكن أن يستفيد منها الشباب، وتعطيل إمكانات منشأة أُقيمت أساسًا لخدمة المجتمع.

المنصب مسئولية وليس وجاهة

من يفوز بثقة الجمعية العمومية يجب أن يعرف أن يوم الانتخابات ليس نهاية المهمة، بل بدايتها.

المجلس المنتخب مطالب بوضع رؤية واضحة للعمل، وجدول حقيقي للأنشطة، وأولويات لصيانة المنشآت وتطويرها، وآليات للاستماع إلى أعضاء المركز ومعرفة احتياجاتهم ومشكلاتهم.

والأهم أن ينتقل المجلس من مرحلة الوعود إلى مرحلة النتائج.

فالمجلس الجيد لا يُقاس بعدد البيانات أو الصور أو التصريحات، وإنما بما يراه أعضاء المركز على أرض الواقع: نشاط أكثر، تنظيم أفضل، منشآت أكثر كفاءة، فرص أكبر أمام المواهب، وخدمة حقيقية للشباب.

المال العام أمانة

تزداد أهمية المسئولية عندما يتعلق الأمر بموارد ومنشآت وأموال مخصصة لخدمة الشباب.

فالمال العام ليس ملكًا لمجلس الإدارة، وإنما أمانة يجب التعامل معها وفق القواعد والقوانين، وبأعلى درجات الوضوح والانضباط.

ولهذا يجب أن تكون أوجه الإنفاق والإدارة خاضعة للضوابط والمراجعة، وأن يتم التعامل مع أي مخالفة من خلال الجهات المختصة، بعيدًا عن التهاون أو المجاملات.

والرقابة هنا لا تعني اتهام أحد، وإنما تعني حماية المؤسسة وحماية كل من يعمل فيها بإخلاص.

الرقابة تبدأ مع العمل

من الخطأ أن تبدأ الرقابة فقط عندما تظهر المشكلة.

المتابعة المنتظمة أفضل من انتظار المخالفة، والزيارة الميدانية أكثر فاعلية من الاكتفاء بالأوراق، والاستماع إلى أعضاء الجمعية العمومية يمكن أن يكشف مبكرًا عن مشكلات قد تتفاقم إذا لم يتم التعامل معها.

ولهذا فإن المتابعة يجب أن تشمل الأنشطة، والمنشآت، والموارد، ومدى الالتزام بالخطط، ومدى استفادة الشباب من الخدمات المقدمة.

فالرقابة الحقيقية ليست تضييقًا على مجالس الإدارات، بل ضمانة لاستمرار العمل الصحيح وحماية للمخلصين قبل غيرهم.

الشباب ليسوا جمهورًا فقط

ومن المهم أن تتغير نظرتنا إلى الشباب داخل مراكزهم.

فالشاب ليس مجرد شخص يأتي لممارسة الرياضة أو حضور نشاط ثم يغادر، وإنما يمكن أن يكون شريكًا في تطوير المركز من خلال أفكاره ومواهبه ومبادراته.

الاستماع إلى الشباب، وتشجيع مواهبهم، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة المجتمعية بما يتناسب مع أعمارهم وقدراتهم، يمكن أن يحول مركز الشباب من مجرد منشأة تقدم خدمات إلى مساحة حقيقية لصناعة المبادرات واكتشاف الطاقات.

ماذا نريد من المجلس الجديد؟

نريد مجلسًا لديه خطة، لا مجرد وعود.

نريد أن نعرف ما الذي سيقدمه للشباب، وكيف سيطور الأنشطة، وكيف سيحافظ على المنشآت، وكيف سيتعامل مع الموارد، وكيف سيستمع إلى أعضاء المركز.

نريد مجلسًا يمكن تقييمه بعد عام أو عامين من خلال نتائج واضحة، لا من خلال الانطباعات.

فالمجلس المنتخب لا يحصل على حصانة من النقد أو المساءلة بمجرد حصوله على ثقة الجمعية العمومية؛ فالانتخاب يمنح الثقة، لكنه لا يلغي المسئولية.

إلى المسئولين: الوقاية أفضل من الأزمة

  وفي المقابل، تقع على الجهات المختصة مسئولية مهمة في ضمان حسن سير العمل داخل مراكز الشباب، من خلال المتابعة الدورية والزيارات الميدانية، ومراجعة الأداء والأنشطة وأوجه الإنفاق، والاستماع إلى أعضاء الجمعيات العمومية، والتعامل مع أوجه القصور في وقت مبكر.

فالهدف ليس البحث عن الأخطاء لمجرد تسجيلها، وإنما منع تحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات كبيرة.

كما أن دعم مجالس الإدارات الجادة لا يقل أهمية عن الرقابة عليها؛ فالمجلس الذي يعمل ويملك رؤية ويحتاج إلى إمكانات يجب أن يجد من يساعده على تحقيق أهدافه، في إطار القانون واللوائح.

الانتخابات مجرد بداية وليست النهاية

في النهاية، لا ينبغي أن نختزل انتخابات مجالس إدارات مراكز الشباب في يوم انتخابي ونتيجة تعلن بعدها الأسماء.

الجمعية العمومية تختار، والمجلس يعمل، والشباب يستفيد، والجهات المختصة تتابع، والقانون يحاسب عند وجود مخالفة.

وهكذا فقط يمكن أن تتحول مراكز الشباب من مجرد منشآت إلى مؤسسات فاعلة تؤدي رسالتها الحقيقية.

فالشباب يستحقون مراكز قوية وآمنة وفاعلة، والمال العام يستحق الحماية، والمنشآت التي أُنشئت لخدمة المجتمع يجب أن تؤدي وظيفتها بأفضل صورة.

الانتخابات تمنح الثقة.. والعمل يثبت الاستحقاق.. والرقابة تحمي النجاح.

الخبير التربوي حسن السعدني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى