الأبعاد الثلاثة لتحقيق محبة الله والمعرفة الإلهية

كتب – محمد الجمل
حقيقة المحبة وعلامة الصدق مع الله
يتطلع الكثير من المسلمين إلى نيل مرضاة الله سبحانه وتعالى والفوز بمحبته، إلا أن هذا الطريق ليس بمجرد التمني أو الادعاء. لقد وضع الحق تبارك وتعالى ميزاناً عادلاً وفاصلاً لا يحتمل الشك لإثبات صدق هذه المحبة؛ حيث يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يقول لنا: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبْبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].
هذه الآية الكريمة، التي يصفها علماء التفسير بـ “آية المحنة” (أي الاختبار)، تؤكد أن محبة الله مشروطة ومحصورة في حقيقة واحدة لا ثاني لها: الاتباع الكامل والواعي للرسول المصطفى ﷺ. وإن ادعاء المحبة بدون هذا الاتباع يضل صاحبه عن جادة الصواب، ويجعله ممن قال الله فيهم: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: 30].
الأبعاد الثلاثة للاتباع: الصورة والسيرة والسريرة
إن معنى الاتباع الحقيقي للنبي ﷺ ليس مجرد مظاهر جوفاء، بل هو منهج حياة متكامل ينحصر في ثلاث نقاط أساسية؛ إذا نقصت واحدة منها لم تتم المحبة، وانقطع عن العبد طريق المعرفة بالله جل وعلا. وهذه النقاط هي:
-
أولاً: الصورة (الظاهر والسمت): وهي اقتفاء أثر النبي ﷺ في عباداته، وهديه الظاهر، وكيفية صلاته، وصيامه، ومعاملاته اليومية.
-
ثانياً: السيرة (العمل والخُلق): وهي السير على خطاه ﷺ في الصبر، والرحمة، والصدق، والأمانة، وجهاد النفس، والدعوة إلى الله بحكمة ولين.
-
ثالثاً: السريرة (باطن القلب ونقاؤه): وهي أهمها وأعمقها؛ وتعني تجريد الإخلاص لله، وخلو القلب من الرياء، والحقد، والكبر، وامتلاؤه بالتوكل والرضا والتسليم التام.
الأدلة الشرعية ومواقف السلف الصالح في لزوم الاتباع
لقد تضافرت النصوص الشرعية وأقوال السلف الصالح لتؤكد أن تفكيك هذه الأركان الثلاثة يدمر بنيان الدين في قلب العبد:
من السنة النبوية المطهرة
يؤكد النبي ﷺ على لزوم مطابقة الظاهر للباطن والتمسك بهديه، حيث قال: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [رواه البخاري ومسلم]. وفي الحديث الآخر الذي يركز على إصلاح السريرة والسيرة يقول ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» [رواه البخاري].
من مواقف وأقوال السلف الصالح
-
الإمام الحسن البصري -رحمه الله-: قال في سبب نزول آية المحبة: “زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي”، وهو تنبيه شديد لئلا يقع المرء في وهم الهداية وهو بعيد عن التطبيق.
-
الإمام الشافعي -رحمه الله-: صاغ هذا المعنى في أبياته الشهيرة التي توضح أن المعصية ومخالفة السيرة والسريرة تتناقض مع المحبة:
تَعصي الإِلهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ … هَذا لَعَمرُكَ في الفِعالِ بَديعُ
لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لَأَطَعتَهُ … إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ
خطورة النقصان: كيف يضيع طريق المعرفة بالله؟
إن الإخلال بأي ركن من الأركان الثلاثة (الصورة، السيرة، السريرة) يعود على العبد بالخسران؛ فمن اهتم بالصورة والسمت الظاهر وترك السيرة الحسنة ونقاء السريرة وقع في شِراك الرياء والنفاق. ومن ادعى طهارة السريرة وهو يخالف سنة المصطفى ﷺ في صورته وسيرته، فقد فتح على نفسه باب البدعة والضلال.
عندما تنقص واحدة من هذه الثلاث، تنهار حقيقة المحبة، ويُسد بوجه العبد طريق المعرفة بالله عز وجل؛ لأن المعرفة ثمرة الطاعة والاتباع الكامل، وبدونها يعيش المرء في أوهام الصلاح وهو بعيد عنه.



