أراء وقراءاتوضوح التعليمي

الأوائل في الصورة… الغائبون عن مستقبل الوطن !!!

بقلم: حسن السعدني

حين تصنع العقول نهضة الأوطان

   لم تكن نهضة الأمم يومًا وليدة الصدفة، بل كانت دائمًا ثمرة رؤية تُحسن اكتشاف العقول وتُجيد استثمارها.

 وحين أدرك محمد علي باشا هذه الحقيقة، لم يكتفِ ببناء الجدران، بل بدأ ببناء الإنسان؛ فجمع أوائل طلاب مصر، وأوفدهم إلى العالم، فعادوا لا يحملون شهاداتٍ فحسب، بل يحملون مشروع دولة حديثة… فكانت النهضة.

تكريم بلا أثر… هل يكفي؟

واليوم، ونحن نُخرِّج كل عام آلاف المتفوقين، يحق لنا أن نتساءل بصدق

 لا يخلو من ألم: أين نحن من تلك الرؤية؟لماذا نكتفي بصورةٍ تذكارية ودرعٍ بروتوكولي، وكأننا نُكافئ لحظة تفوق عابرة، لا بداية مشروع عمر؟

أليست هذه العقول أولى بأن تُستثمر؟ أم أننا لم نُحوِّل ثقتنا في أبنائنا إلى فعلٍ حقيقي؟

من منصات الاحتفال إلى مسارات المستقبل

 إن تكريم الأوائل لا ينبغي أن يكون نهاية الرحلة، بل بدايتها. فالأمم الحية لا تضع الفائقين على منصات الاحتفال فقط، بل تدفع بهم إلى طرق المستقبل؛ عبر منظومة متكاملة تبدأ باختيار دقيق، وتستمر ببعثات نوعية مرتبطة باحتياجات الدولة، ثم برامج احتضان علمي ومهني، وتنتهي بمسارات واضحة تضمن توظيفهم في مواقع التأثير: في البحث، والصناعة، وصنع القرار.

نزيف العقول… الخسارة الصامتة

  أما أن نتركهم يتبددون بين الهجرة أو الإهمال، فذلك ليس فقدًا لأفراد، بل نزيف وطن. فالعقل الذي لا يجد فرصته هنا، سيصنع قيمته هناك. وحينها لا نخسر شخصًا واحدًا، بل نخسر فرصة كان يمكن أن تغيّر واقعًا بأكمله.

أسئلة لا تحتمل التأجيل

  أين أوائل الأمس اليوم؟

كم منهم أُتيحت له بيئة حقيقية للإبداع؟ وكم منهم وجد نفسه بعيدًا، ينجح لغيرنا بينما كنا أولى به؟

إنها أسئلة لا تُطرح للعتاب، بل للمراجعة… مراجعة تعيد ترتيب الأولويات، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان ليس رفاهية، بل ضرورة وجود.

من التفوق الفردي إلى القوة الوطنية

  مصر لا ينقصها الذكاء، بل تحتاج إلى الإيمان به إيمانًا عمليًا. أن تتحول لحظة التفوق إلى منظومة صناعة؛ تُربط فيها مخرجات التعليم باحتياجات الوطن، ويُمنح فيها الفائقون أدوارًا حقيقية لا رمزية، ليصبحوا جزءًا من مشروع الدولة لا مجرد صورة في أرشيفها.

 

الدرس الذي لم يكتمل

لسنا بحاجة إلى تكرار تجربة محمد علي باشا، بل إلى استعادة روحها: روح الإيمان بأن العقول هي الثروة الحقيقية، وأن الأمم التي تُهمل نوابغها إنما تُفرِّط في مستقبلها.

الخيار الحاسم

  إذا أردنا لمصر أن تتقدم، فلا يكفي أن نُكرّم الفائقين… بل يجب أن نصنع بهم مستقبلها.وإلا… صُنِع بعيدًا عنها.

الخبير التربوي حسن السعدني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى