“الإنسان العاري”.. كيف سلمنا رقابنا طوعًا لجلاد “الديكتاتورية الرقمية الخفية”؟

عرض وتقديم – د. عبد الباقي أبو زيد
في عصرٍ باتت فيه الشاشات الزجاجية مرافقة لخطواتنا، وأنفاسنا، وبياناتنا الشخصية، يبرز كتاب “الإنسان العاري: الديكتاتورية الخفية للرقمية” كصرخة تحذيرية مدوية تكشف زيف الحرية الافتراضية التي نتوهمها . الكتاب من تأليف المفكرين مارك دوغان وكريستوف لابي، ونقله إلى العربية المترجم القدير سعيد بنغراد وصدر عن “المركز الثقافي للكتاب”، ليفكك شفرات التبعية الجديدة التي فرضتها التكنولوجيا على البشرية.
جلاد بلا سيف.. كيف تُسرق حريتنا برضانا؟
ينطلق الكتاب من فرضية مرعبة ومباشرة مفادها أن البشرية لم تعد تُقاد بالقمع التقليدي، بل استسلمت طوعًا لمنظومة رقمية تسلبها خصوصيتها دون قطرة دم واحدة. وكما يقتبس مؤلفا الكتاب في المقتطف المتداول
“لقد سلمنا رقابنا طوعًا إلى جلاد بلا سيف، إنه يفعل بنا ما يشاء برضانا وبدون ألم، فنحن من يزوده يوميًا بمعلومات عنا، وبذلك نزداد ارتباطًا به وتبعية له”.
هذا التنازل الطوعي عن البيانات والمعلومات الشخصية حوّل الكائن البشري إلى “إنسان عاري” مكشوف تمامًا أمام الخوارزميات والشركات الاحتكارية الكبرى، التي باتت تعرف عن الفرد أكثر مما يعرفه عن نفسه.
نبوءة “دوستويفسكي” تتحقق في العالم الافتراضي
يربط الكتاب بين هذا الواقع الرقمي المرير ونبوءة الأديب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي في روايته “الإخوة كارامازوف”، حينما تحدث عن الحالة التي يؤول إليها البشر مستقبلاً قائلين: “سنضع حريتنا عند أقدامهم قائلين، خذونا عبيدًا عندكم، ولكن أطعمونا”.
ويشير المؤلفان إلى أن هذا الأمر قد “قُضي بالفعل”؛ إذ تحولت التكنولوجيا والأدوات الرقمية إلى جزء لا يتجزأ من وجدان الإنسان المعاصر، بل أصبحت تُصرّف جزءًا كبيرًا من انفعالاته وعواطفه وميوله الشخصية عبر الفضاء الافتراضي، مما مهد الطريق لنشوء ديكتاتورية خفية وناعمة لكنها بالغة البطش.
دعوة للمقاومة: كيف نستعيد سيادتنا على حياتنا؟
رغم هذه الصورة القاتمة التي يرسمها الكتاب، إلا أنه لا يدعو إلى الاستسلام المطلق للآلة؛ بل يختتم بقسم بمثابة خارطة طريق للمواجهة والمقاومة. يؤكد الكتاب أن الخلاص يكمن في:
-
عدم الاستسلام لجبروت الآلة الرقمية الجديدة.
-
ضرورة مقاومة التمدد التكنولوجي عبر ترشيد استعمالاتها اليومية.
-
الحد من العبث الاستخباري والتجاري ببياناتنا الخاصة لضمان الحفاظ على ما تبقى من خصوصية وحرية إنسانية.
يُعد كتاب “الإنسان العاري” بمثابة دليل سياسي وفلسفي لا غنى عنه لفهم أبعاد الاستعمار الرقمي الحديث، وكيفية حماية الذات البشرية من الذوبان في عالم البيانات اللامتناهي.