البرهان في «صالة رياضية» بالخرطوم.. لياقة بدنية أم رسائل سياسية في معركة الشرعية بالسودان؟

كتبت – د. هيام الإبس
لم تعد ساحات المواجهة في السودان مقتصرة على جبهات القتال الملتهبة أو أروقة الدبلوماسية الدولية، بل امتدت لتشمل معركة متصاعدة حول صناعة الشرعية واستقطاب الرأي العام. وفي توقيت بالغ الحساسية يشهد تحولات عسكرية وسياسية مفصلية، تحول ظهور رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وهو يمارس الرياضة داخل إحدى صالات الخرطوم، من مجرد مشهد شخصي عابر إلى مادة سياسية وإعلامية أثارت جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، مستعرضةً حدود الصراع على رسم ملامح سودان ما بعد الحرب.
ففي الوقت الذي تداولت فيه منصات داعمة للجيش مقاطع مصورة للبرهان خلال تدريباته الصباحية للياقة البدنية، انقسم الشارع السياسي والإعلامي حول دلالاتها؛ حيث رأى فيها المؤيدون رسالة استقرار تعكس استعادة العاصمة لبعض عافيتها وقدرة مؤسسات الدولة على إدارة المشهد، إلى جانب إبراز صحة القائد وجاهزيته. وفي المقابل، وجهت الإعلامية عازة إير انتقادات لنشر هذه التفاصيل الشخصية وسط تفاقم الأزمة الإنسانية واستمرار الحرب، بينما قرأ الصحفي بكري مدني المشهد من زاوية إنسانية تعيد للذهن مشاهد تاريخية للرئيس الأسبق جعفر نميري. أما الصحفي أحمد عبد القادر، فذهب إلى أن إبراز اللياقة البدنية قد يمثل تمهيداً مبكراً لترشح استحقاقي في انتخابات ما بعد المرحلة الانتقالية.
تصعيد ميداني وضرب خطوط الإمداد الصحراوية
وعلى الأرض، تتزامن هذه التحركات الإعلامية مع تكثيف الجيش لعملياته الميدانية؛ إذ أفادت مصادر استراتيجية بتنفيذ سلاح الجو غارات مكثفة استهدفت رتلاً عسكرياً تابعاً لقوات الدعم السريع، يُعتقد أنه تحرك من الأراضي الليبية باتجاه شمال دارفور.
وضمت القوة المستهدفة نحو 170 عربة قتالية وشاحنات إمداد لوجستي دُمّر معظمها خلال قصف استمر يومين، في خطوة تُبرز تحولاً تكتيكياً نحو ضرب خطوط الإمداد الصحراوية البعيدة لاستنزاف الخصم قبل وصوله لخطوط التماس في دارفور وكردفان.
امتداد الأزمة للشتات واستقطاب خارجي
ولم تقف أبعاد الأزمة عند الحدود الجغرافية للإقليم، بل امتدت لتشمل الشتات السوداني في الخارج؛ إذ شهدت مدينة برمنغهام البريطانية احتجاجات حادة خلال فعالية ثقافية رفضاً لمشاركة عمران عبد الله، مستشار قائد قوات الدعم السريع.
طالب الحاضرون بمغادرته وسط هتفات تندد بالانتهاكات، مما يعكس حالة الاستقطاب السياسي والمجتمعي التي انتقلت إلى الجاليات بالخارج.
تعقيدات السياسة ومسار الوساطات الدولية
وسياسياً، تتقاطع هذه التطورات الميدانية مع مساعٍ دولية لإحياء العملية السياسية وفق خارطة طريق الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات)، التي أوكلت للآلية الخماسية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، الإيجاد، جامعة الدول العربية) تسهيل الانتقال لحكم مدني.
غير أن هذا المسار يواجه تحفظات من قوى مدنية سودانية تتهم الآلية بالابتعاد عن مبدأ “ملكية السودانيين للعملية السياسية” وتفضيل أطراف مقربة من الجيش، بعدما كان هناك توافق سابق بين تحالفات مدنية على تشكيل لجنة تحضيرية تتولى إعداد الأجندة والأطراف المشاركة.
الرهان العسكري وشرعية المشهد المتبقي
ويرى مراقبون أن القيادة العسكرية تسعى إلى ترجمة التقدم الميداني في دارفور وكردفان إلى أوراق تفاوضية تعزز موقعها الإقليمي والدولي، وتُعيد تعريف الصراع كـ “مواجهة بين الدولة وتمرد محدود”، مما قد يمهد لاستعادة السودان عضويته في الاتحاد الأفريقي والاعتراف بالحكومة القائمة. وفي المقابل، تحذر القوى المدنية من أن تفصيل العملية السياسية على وقع التوازنات العسكرية قد يمنح شرعية جديدة للسلطة العسكرية دون معالجة الجذور الحقيقية للأزمة.
بين لياقة البرهان في الخرطوم، والغارات الجوية في صحراء دارفور، والاحتجاجات في برمنغهام، والتعقيدات التي تكتنف الوساطات الدولية، يدخل الصراع السوداني مرحلة جديدة تتجاوز حسم المعارك إلى صياغة بشرعية المشهد؛ حيث يتوازى أثر الصورة السياسية وإدارة المظهر مع ثقل الانتصارات الميدانية في تحديد من سيرسم كراسة المستقبل في السودان.




