السودانشئون عربية

السودان في منعطف استراتيجي: ضربة “الخيول الحديدية” تربك الدعم السريع وتصدع بنيتها

كتبت – د. هيام الإبس

في منعطف ميداني واستراتيجي بالغ الأهمية يعيد رسم خريطة المواجهة في السودان، تتقاطع الضربات العسكرية النوعية في العمق مع تصدع غير مسبوق في البنى الهيكلية والاجتماعية لقوات الدعم السريع، بينما يتسابق المجتمع الدولي مع كارثة إنسانية غير مسبوقة لاحتواء تداعيات صراع بات يهدد كيان الدولة واستقرار الإقليم بأكمله.

“الخيول الحديدية”: ضربة استراتيجية في قلب نيالا

في تطور ميداني بارز بمدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، نفذ سلاح الجو السوداني عملية استراتيجية دقيقة أُطلق عليها اسم “الخيول الحديدية”، مستندة إلى بنك أهداف وإحداثيات استخبارية عالية الحساسية. استهدفت العملية مقرات القيادة والنظم والمعلومات ومواقع سكنية لقيادات الصف الأول في قوات الدعم السريع، على رأسهم محمد حمدان دقلو “حميدتى” ومعاونوه اللواء حسن محجوب، واللواء عثمان حامد، واللواء عبد الله قروش. وإلى جانب غموض مصير هذه القيادات، أسفرت الضربات عن مقتل ضابط الاستخبارات المقرب محمد آدم تنكس، وسقوط عشرات القتلى والجرحى، فضلاً عن تدمير منظومات دفاع جوي ومخازن أسلحة، مما شكّل ضربة قاصمة للبنية التحتية واللوجستية للتدريب والإدارة في معقل القوات بالغرب.

إرباك إداري ونزوح قيادي نحو “كاس”

ولم تتوقف تداعيات الضربة عند الخسائر المادية والبشرية، بل أحدثت هلعاً وإرباكاً إدارياً وهيكلياً دفع بقيادات الدعم السريع إلى النقل العاجل للمكاتب الحيوية — كالاستخبارات والمالية — إلى جانب خبراء الإمداد والاتصالات والمسيرات الأجانب، من نيالا إلى مدينة كاس بحثاً عن ملاذات آمنة. وتزامنت هذه التطورات مع حالة استنفار واسع وعمليات بحث محمومة تحت الأنقاض لانتشال السجلات والملفات السرية للغاية قبل وقوعها في قبضة الاستخبارات العسكرية، ما يكشف عمق الخرق الاستخباري وهشاشة التماسك الإداري من الداخل.

تصدع الحاضنة الاجتماعية وانشقاقات نوعية

يتوازى هذا الضغط الميداني مع تشقق متسارع في القاعدة الاجتماعية والعسكرية للمليشيا، تجسد بوضوح في انشقاق قائد ميداني بارز بحجم المقدم محمد أزرق الفنجري وانضمامه للقوات المسلحة. وتكشف هذه التحولات عن أزمة هيكلية متجذرة؛ إذ اعتمدت المليشيا في التجنيد على استغلال مظالم التهميش التاريخية لدى بعض المكونات والقبائل كالمسيرية بوعود براجماتية حول تقاسم الثروة والنفوذ. ومع أهوال الحرب، اصطدمت هذه الحاضنة بحقيقة استخدام أبنائها وقوداً لصراع سلطوي يعمق عزلتها ويزيد من معاناتها الاقتصادية، مما يمهد لمزيد من الانشقاقات وتراجع قدرة المليشيا على الحشد.

سباق مع الزمن دبلوماسياً وإنسانياً

وعلى المسار السياسي والدبلوماسي، تتواصل الجهود الدولية لاحتواء الأزمة الشاملة، كما ظهر خلال منتدى تانا للأمن في إفريقيا بإثيوبيا، وسط تحذيرات أممية من تشتت مسارات الوساطة وتضاربها. وتركز التحركات الراهنة على بناء الثقة وربط الهدن الإنسانية بتسوية سياسية تقود لحكم مدني. غير أن هذه المساعي تصطدم بتعقيدات الميدان وتنامي نفوذ المجموعات المسلحة المرتبطة بالمصالح الاقتصادية للصراع. وبينما تسابق الجهود الدولية كارثة إنسانية مفزعة تجاوزت حصيلة ضحاياها 150 ألف قتيل، وأفرزت أكثر من 14 مليون نازح، و34 مليون محتاج للمساعدة العاجلة، تظل التسوية السياسية الموحدة ضرورة وجودية لمنع انهيار السودان وتمدد الفوضى إقليمياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى