الصورة التي لم تحدث.. كيف تهدد التزييفات الرقمية ثقة الجمهور؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
كانت الصورة لسنوات واحدة من أكثر الأدلة التي تمنحنا شعورًا باليقين؛ فإذا رأينا الحدث مصورًا، بدا الأمر وكأنه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من النقاش. لكن هذا اليقين بدأ يتراجع مع ظهور تقنيات قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو حقيقية، رغم أنها توثق أحداثًا لم تقع أصلًا.
لم تعد المشكلة إذن في قدرتنا على رؤية الصورة، وإنما في قدرتنا على معرفة ما إذا كان ما نراه قد حدث بالفعل.
*عندما تفقد الصورة قدرتها على إثبات الحقيقة
التزييفات الرقمية، وخاصة التزييف العميق، لم تعد مجرد حيل تقنية تستخدم للترفيه أو صناعة محتوى مضلل، بل أصبحت قادرة على إعادة تشكيل المشهد الذي يصل إلى الجمهور، من خلال تركيب وجوه، وتغيير أصوات، وصناعة مشاهد كاملة تبدو وكأنها تسجيل حقيقي لواقعة حدثت.
وهنا تفقد الصورة جزءًا من سلطتها القديمة؛ لأنها لم تعد بالضرورة تسجيلًا لما حدث، وإنما قد تكون إنتاجًا لما يراد لنا أن نعتقد أنه حدث، وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق التزييف بقضية عامة أو شخصية مؤثرة؛ فصورة واحدة مصطنعة يمكن أن تشعل نقاشًا واسعًا، أو تسيء إلى شخص، أو تؤثر في اتجاهات الجمهور قبل أن تظهر الحقيقة.
*من صناعة الخبر إلى صناعة الانطباع
في البيئة الرقمية، لا تحتاج الصورة المزيفة إلى أن تكون مقنعة للجميع حتى تحقق تأثيرها. يكفي أن تثير الانتباه، أو الغضب، أو الخوف، حتى تبدأ رحلة الانتشار.
وتلعب خوارزميات المنصات دورًا مهمًا في هذه العملية، لأنها ترتب المحتوى وفق مجموعة من الإشارات المرتبطة بتفاعل المستخدمين واهتماماتهم. لذلك قد تحصل مادة مثيرة ومضللة على انتشار واسع، ليس لأنها صحيحة، وإنما لأنها نجحت في جذب الانتباه، وهكذا تتحول الصورة من مجرد محتوى مزيف إلى أداة لصناعة الانطباع العام.
*الأخطر.. أن نشك في الحقيقة نفسها
قد يبدو أن المشكلة الأساسية هي أن يصدق الجمهور صورة مزيفة، لكن الخطر الأعمق يتجاوز ذلك، فمع تزايد قدرتنا على إنتاج محتوى مصطنع شديد الواقعية، يصبح من الممكن التشكيك حتى في المحتوى الحقيقي. وقد يتحول التزييف إلى وسيلة للإنكار؛ فكلما ظهر تسجيل أو صورة تحمل دليلًا على واقعة حقيقية، يمكن ببساطة الادعاء بأنها مصطنعة.
وبذلك لا يصبح التزييف مجرد وسيلة لصناعة الكذب، بل وسيلة أيضًا لإرباك الحقيقة وإضعاف قدرتها على الإقناع.
*عندما تتغير علاقتنا بالمعلومة
هذا التحول يفرض على الجمهور نوعًا جديدًا من الوعي. فالمتلقي لم يعد يستطيع التعامل مع الصورة باعتبارها دليلًا مكتملًا بذاته، بل أصبح مطالبًا بالنظر إلى مصدرها، وسياقها، وتوقيت نشرها، ومدى توافقها مع مصادر أخرى مستقلة.
وهنا تتحول مهارة التحقق من المعلومات من مهارة إعلامية متخصصة إلى ضرورة يومية لكل مستخدم للمنصات الرقمية.
*الحقيقة في زمن الصورة المصطنعة
المشكلة المستقبلية لن تكون فقط في قدرة الذكاء الاصطناعي على صناعة صور لم تحدث، وإنما في قدرته على جعلنا نعيش وسط حالة مستمرة من الشك: ما الذي حدث فعلًا؟ وما الذي صُنع؟ ومن الذي يملك القدرة على تحديد الفرق بينهما؟
لذلك فإن حماية ثقة الجمهور لا تتطلب فقط تطوير أدوات تقنية لكشف التزييف، وإنما تحتاج أيضًا إلى بناء وعي نقدي يجعل الجمهور أكثر قدرة على التحقق، وأقل استعدادًا لمنح الصورة سلطة الحقيقة لمجرد أنها تبدو واقعية.
ففي عالم يمكن فيه صناعة صورة لحدث لم يحدث، تصبح الثقة نفسها جزءًا من المعركة… والسؤال لم يعد فقط: هل الصورة حقيقية؟ بل أصبح: من صنعها، ولماذا أراد لنا أن نصدقها؟
دكتورة هناء خليفة
دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي
