المدرب المصري بين صناعة النجاح وجحود الاعتراف
بقلم / حسن السعدني
ليس كلُّ سؤالٍ يُطرح انتظارًا لجواب، فبعض الأسئلة تُلقى لتوقظ الضمير، وتستنهض وعياً كاد أن يعتاد المفارقات.
كيف نُعلي من شأن البعيد، ونُقصي القريب؟ كيف نُحسن الظنّ بالغريب حتى في تعثره، ونُسيء التقدير لابن الدار وإن أبدع؟
أهي عقدةُ المستورد، أم غفلةُ المُنصِف ؟
أم أننا لم نُحسن بعد قراءة إنجازاتٍ كُتبت بمداد الكفاح لا بحبر الدعاية؟
إن المتأمل في مسيرة المدرب المصري يدرك أنه ليس طارئًا على منصات التتويج، ولا عابرًا في سجلّ الإنجازات، بل هو صانع لحظاتٍ مفصليةٍ في تاريخ أنديتنا، يشتغل في الهامش ليصنع المتن، ويجتهد في الظل ليصوغ الضوء. وما بين الضغوط الجماهيرية، والتحديات الإدارية، وضيق الإمكانات، يخرج لنا نموذج المدرب الذي لا يتكئ إلا على علمه وخبرته وشغفه.

وإذا أردنا أن ننطق بالحجة لا بالعاطفة، فحسبنا أن نتأمل تجربة الكابتن معتمد جمال؛ هذا الرجلٌ الذي جاء إلى الزمالك في ظرفٍ دقيق، حين كانت الرياح تعصف، والآمال تتراجع، فجمع الشّتات، وأعاد الانضباط، وبثّ في الفريق روحًا جديدة، حتى بلغ به منصّة الدوري، لا بترف الإمكانات، بل بحسن الإدارة ودقة التوظيف.
لم يكن إنجازه وليد صدفة، بل ثمرة قراءة واعية للواقع، وقدرة على تحويل الأزمات إلى دوافع.

وعلى الجهة الأخرى، يطلّ علينا الكابتن -علي ماهر- بصورة المدرب الذي يقدّم كرةً تتجاوز حدود النتيجة إلى جمال الأداء. فرقه لا تلعب فقط لتفوز، بل لتُقنع وتُمتع، في انسجامٍ تكتيكي يعكس عقلًا تدريبيًا ناضجًا، يعرف كيف يوظف العناصر، ويستثمر القدرات، ويصنع هويةً فنيةً واضحة المعالم. إنه نموذجٌ للمدرب الذي يُطوّر أدواته، ولا يكتفي بردّ الفعل، بل يصنع الفعل ذاته.

أما الكابتن -عماد النحاس – ، فقصته أقرب إلى ملحمة إنقاذ؛ حين تولّى المسئولية في لحظةٍ حرجة، أعاد الاتزان لفريقٍ كان يترنّح، واستطاع أن يُعيد الثقة إلى اللاعبين، ويُصلح ما أفسدته العثرات، فكان حضوره حاسمًا، لا في جمع النقاط فحسب، بل في إعادة الروح،
. لقد أثبت الجميع أن المدرب المصري قادرٌ على إدارة الأزمات، لا الهروب منها.
وهنا تتجلّى المفارقة التي تستحق التأمل: هذه النماذج، وغيرها كثير، حققت ما عجز عنه بعض الأجانب رغم ما أُتيح لهم من دعمٍ ووقتٍ وصبر. ومع ذلك، نظل أسرى لفكرةٍ مؤداها أن النجاح لا يأتي إلا من الخارج، وكأن الكفاءة جواز سفر، لا ملكةٌ تُصقل وتُثبتها التجربة.
إن الإنصاف يقتضي أن نُعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نمنح المدرب المصري ما يستحقه من ثقةٍ واستقرار، وأن نتعامل مع أخطائه بوصفها جزءًا من مسارٍ طبيعي للتطور، لا ذريعةً للإقصاء. فالتجارب الكبرى لا تُبنى في يوم، ولا تُقاس بلحظة تعثر، بل تُصنع بالصبر، وتُرسّخ بالدعم.
وليس في الدعوة إلى تشجيع المدرب الوطني نزعةُ تعصّب، بل هي رؤيةٌ واعيةٌ بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر إلى الاستقلال الحقيقي، وأن من يملك أدواته، يملك قراره. فإذا كان هؤلاء قد حققوا ما حققوه في ظل هذه الظروف، فكيف يكون حالهم لو أُتيحت لهم بيئةٌ عادلة، وإمكاناتٌ كافية، وثقةٌ لا تتزعزع؟
فلنمنحهم إذن ما يستحقون: تقديرًا يوازي جهدهم، وصبرًا يليق بطموحهم، ودعمًا يصنع المستقبل. فربما كان بين أيدينا الآن من نبحث عنه بعيدًا، لو أحسنا النظر.



