الرياضة

الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (11) هل تُنقذ كرة القدم عالمنا المنقسم ؟

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في زاوية ضيقة من مخيم “الزعتري” للاجئين، وتحت سقف من الصفيح التوتياء الذي يضاعف حرارة الصيف، كان الطفل السوري “أحمد” ذو الاثني عشر ربيعاً يتحلق مع مجموعة من أصدقائه حول شاشة هاتف ذكي مهشم الزوايا.

لم يكونوا يتابعون نشرة أخبار تتحدث عن مصيرهم الغامض، ولا قرارات أممية تتعلق بحصص الإغاثة، بل كانت أعينهم شاخصة تتابع بشغف مباراة في دور المجموعات من كأس العالم عندما سُجل الهدف في الدقائق القاتلة، قفز الأطفال وهللوا وتعانقوا، مُتناسين ثوانياً معدودةً قسوة اللجوء، ومحدودية المكان، وضبابية المستقبل.

في تلك اللحظة المجردة من كل تعقيد، لم تكن شاشة الهاتف المهشمة مجرد وسيلة ترفيه، بل كانت “بوابة عبور” ربطت هؤلاء الأطفال بمئات الملايين من البشر الذين يشاركونهم الشعور ذاته في اللحظة ذاتها.

هذا المشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً ومصيرياً حول الغد: في عالم يزداد انقساماً وتشظياً يوماً بعد يوم، ما هو مستقبل هذه “الوحدة الكروية”؟ وهل يمكن لكرة القدم أن تلعب دور “الملاذ الأخير” للحفاظ على ترابط البشرية؟

خوارزميات العزلة والملاذ الإنساني الأخير

نعيش اليوم في مفارقة تاريخية غريبة؛ ففي الوقت الذي تدعي فيه ثورة الاتصالات والإنترنت أنها جعلت العالم “قرية صغيرة”، فإننا في الواقع نعيش في جزر منعزلة أكثر من أي وقت مضى.

لقد قامت الخوارزميات الذكية التي تدير منصات التواصل الاجتماعي بتفتيت الجماهير إلى “غرف صدى” مغلقة؛ كل إنسان لا يرى ولا يسمع إلا ما يوافق رأيه السياسي، أو انتماءه الأيديولوجي، أو خلفيته الثقافية، مما يعمق الفجوة ويزيد من حدة الاستقطاب والتطرف في العالم.

وسط هذا التمزيق الرقمي والسياسي الممنهج، تقف كرة القدم كواحدة من آخر القلاع التي تتحدى الخوارزميات فمباراة في كأس العالم تمثل “حقيقة مشتركة” لا يمكن للخوارزميات تفصيلها على مقاس المشاهد؛ فالهدف هو هدف على كل الشاشات اليمين واليسار، ودموع الخاسر تبث في دول الشمال والغرب تماماً كما تبث في دول الجنوب والشرق.

لذا في المستقبل، ستتزايد قيمة كرة القدم السوسيولوجية بوصفها الحدث الوحيد القادر على اختراق الفقاعات الرقمية، وإجبار البشرية على الجلوس حول مباراة عالمية واحدة، ليتشاركوا تجربة شعورية حقيقية غير مفلترة.

مونديال الـ 48.. تفكيك “نوادي النخبة” السياسية

في عالم السياسة والاقتصاد، تُدار مقدرات الكوكب من خلال “نوادٍ مغلقة” وكيانات نخبوية مثل مجموعة السبع (G7) أو مجموعة العشرين (G20) أو مجلس الأمن، حيث يُستبعد الغالبية العظمى من سكان الأرض من دائرة صنع القرار.

لكن المستقبل الذي ترسمه كرة القدم يسير في اتجاه معاكس تماماً؛ اتجاه نحو الشمولية والعدالة.

إن مضي الاتحاد الدولي لكرة القدم نحو تثبيت مشاركة 48 منتخباً من أصل 211 اتحاداً كروياً، يمثل رسالة للمستقبل مفادها أن “العالم يتسع للجميع”.

هذا التوسع يخلق “عولمة بديلة” عادلة؛ عولمة لا تفرض فيها الدول الكبرى شروطها المجحفة على الدول النامية، بل يقف فيها اللاعب الآسيوي والأفريقي واللاتيني نداً للند أمام نظيره الأوروبي والأمريكي.

في عالم تتسع فيه الهوة الاقتصادية، سيصبح كأس العالم هو المؤسسة الدولية الأنجح في تطبيق مفهوم “تكافؤ الفرص”، مما يمنح شعوب الدول المهمشة جرعة من الأمل المستدام بأن لها مقعداً مضموناً على طاولة الكبار، متى ما امتلكت الموهبة والإرادة.

التكنولوجيا في مواجهة الرومانسية.. هل تفقد اللعبة روحها؟

لا يمكن الحديث عن المستقبل دون التوقف عند التوأمة المتسارعة بين كرة القدم والتكنولوجيا فمع تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، إلى تقنية التسلل شبه الآلي، ووصولاً إلى تحليل البيانات بالذكاء الاصطناعي وقمصان اللاعبين المزودة بمستشعرات حيوية دقيقة؛ تقف اللعبة اليوم على أعتاب ثورة رقمية شاملة.

هنا يبرز تحدٍ سوسيولوجي وفلسفي دقيق: كيف نحافظ على “الرومانسية البشرية” في لعبة تتجه نحو “الكمال الآلي”؟

إن جزءاً كبيراً من سحر كرة القدم التاريخي كان يكمن في عفويتها، وفي الأخطاء التحكيمية التي تصنع جدلاً يمتد لسنوات، وفي الارتجال غير المحسوب.

لذا في المستقبل، ستكون مهمة القائمين على كرة القدم هي إيجاد نقطة التوازن الحرجة؛ استخدام التكنولوجيا لتحقيق “العدالة” التي تمنع سلب حقوق المنتخبات المجتهدة، مع الحفاظ على “الروح الإنسانية” للعبة فالجماهير في النهاية لا تذهب إلى الملاعب لمشاهدة روبوتات تنفذ خططاً خوارزمية خالية من الأخطاء، بل تذهب لمشاهدة الإنسان بضعفه وقوته، بتعثره ونهوضه، وبدموعه وابتساماته.

الاستدامة وكرة القدم الخضراء.. معركة بقاء الكوكب

في العقود القادمة، لن يكون التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية هو النزاعات الحدودية، بل التغير المناخي والأزمات البيئية التي تهدد الكوكب بأسره ولأن كرة القدم هي مرآة للمجتمع البشري، فإن مستقبلها سيكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرتها على تبني معايير “الاستدامة”.

سيتحول كأس العالم إلى أضخم منصة دولية لقيادة “الدبلوماسية البيئية” حيث بدأنا نرى إرهاصات هذا المستقبل في الملاعب التي تُبنى من مواد قابلة لإعادة التدوير (كما حدث مع ملعب 974 في قطر)، والملاعب التي تعمل بالكامل بالطاقة الشمسية.

في المستقبل، ستُقاس نجاحات الدول المستضيفة للمونديال بمدى قدرتها على تنظيم “بطولات صفرية الانبعاثات الكربونية “

كرة القدم ستقود الجماهير نحو وعي بيئي جديد، فحينما يرى المشجع أن لاعبه المفضل ومنتخبه الوطني يشاركان في حملات للتشجير ومكافحة الاحتباس الحراري، سيصبح الحفاظ على البيئة سلوكاً جماهيرياً يومياً، لتثبت اللعبة مجدداً قدرتها على إنقاذ الكوكب خارج المستطيل الأخضر.

“الدبلوماسية الوقائية” في عصر الأزمات

مباراة بين ايران وامريكا في كأس العالم 2022 بقطر رغم حالة العداء بين البلدين

تاريخياً، لعبت كرة القدم دور الإطفائي الذي يتدخل لإخماد الحرائق بعد اندلاعها، كما رأينا في قصص التهدئة والمصالحة المونديالية لكن مستقبل الوحدة الكروية يتطلب الانتقال نحو ما يُعرف بـ “الدبلوماسية الوقائية”

مع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، ستُستخدم كرة القدم بشكل استباقي لمنع تفاقم الصراعات كما سنرى بطولات مشتركة تجمع دولاً متجاورة تتراكم بينها سحب الخلاف، لتكون اللعبة هي جسر التواصل الذي يحول دون القطيعة كما ستستثمر المنظمات الدولية في بناء ملاعب في مناطق النزاعات المحتملة، لأن الشاب الذي يجد ملعباً يفرغ فيه طاقته، ويجد أكاديمية ترعى موهبته، لن يسهل استقطابه من قبل جماعات العنف أو التطرف

كما ستتحول كرة القدم من أداة ترفيهية إلى أداة أساسية في استراتيجيات “حفظ السلام العالمي”.

نبض لا يتوقف

في عالم يركض بسرعة جنونية نحو الانقسام المادي والرقمي، قد تبدو فكرة “الوحدة الإنسانية” مجرد طوباوية حالمة أو شعاراً رومانسياً لا مكان له في الواقع لكن كلما تشككنا في قدرتنا على التعايش، انطلقت صافرة حكم في مكان ما من هذا العالم لتوقظنا.

مستقبل الوحدة الكروية ليس مضموناً بمعاهدات، بل هو مضمون بتلك الغريزة البشرية الصافية؛ غريزة البحث عن الفرح المشترك.

طالما أن هناك طفلاً في مخيم للاجئين، يحول قصاصات القماش القديمة إلى كرة مستديرة، ويركض خلفها ضاحكاً مع أصدقائه متناسياً بؤس العالم، فإن الأمل سيظل حياً.

كرة القدم ليست مجرد رياضة نجت من مقصلة السياسة، بل هي المصل الواقي الذي يذكرنا، كل أربع سنوات عبر مهرجان الـ 48 منتخباً، بأن هذا الكوكب رغم كل تصدعاته لا يزال يتسع لنا جميعاً، ولا يزال قادراً على أن ينبض بقلب واحد.

وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:

الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى