احدث الاخبار

انخفاض مناسيب النيل في السودان يعيد “سد النهضة” إلى واجهة القلق المائي

كتبت – د.هيام الإبس

أثار الانخفاض الملحوظ وغير المعتاد في مناسيب نهر النيل بعدد من الولايات السودانية مخاوف جديّة حول الأمن المائي للبلاد. وأعادت المقاطع المصورة التي وثقت تراجع المياه وظهور مساحات رملية واسعة داخل مجرى النهر ملف “سد النهضة” الإثيوبي وتأثيراته إلى واجهة الاهتمام الشعبي والسياسي، وسط تساؤلات ملحة حول أسباب هذا الانحسار وتوقيته.

تمدد الظاهرة وأولى مؤشرات أزمة مياه الشرب

امتدت ظاهرة انخفاض المناسيب بشكل متسارع لتشمل عدة مناطق حيوية بدءاً من العاصمة الخرطوم، مروراً بولاية نهر النيل، وصولاً إلى الولاية الشمالية. وقد تُرجمت هذه التغيرات سريعاً على أرض الواقع من خلال مؤشرات مقلقة:

  • شح مياه الشرب: أعلنت هيئة مياه ولاية الخرطوم عن أزمة شح المياه في مناطق شمال بحري نتيجة انحسار مياه النيل عن مأخذ المحطة الرئيسية.

  • حلول طارئة: اضطرت الهيئة لتشغيل مضختين عاليتي الضغط لتعزيز الإمدادات المائية والحد من تداعيات الأزمة على السكان، في أول اعتراف رسمي بانعكاسات انخفاض المناسيب.

توثيق ميداني ومخاوف متصاعدة لدى المزارعين

في رصد ميداني لحجم الانحسار، وثق مواطنون تراجعاً كبيراً للمياه في عدة جبهات أثار قلق القطاع الزراعي:

  • منطقة البجراوية: رصد الأهالي تراجع المياه لمسافة تقترب من 15 متراً بعيداً عن مجراها الطبيعي في ولاية نهر النيل.

  • جزيرة أرنتي: أظهرت مقاطع مصورة قبالة مدينة عبري بالولاية الشمالية ظهور ألسنة رملية واسعة وسط النهر، لدرجة جعلت أجزاءً من المجرى قابلة للعبور سيراً على الأقدام. وتكمن خطورة هذا التطور في تزامنه مع بداية موسم الأمطار في الهضبة الإثيوبية، وهي الفترة التي تشهد عادةً بداية ارتفاع إيراد النيل الأزرق (المصدر الرئيسي لمياه النيل في السودان خلال موسم الفيضان).

تفسيرات الخبراء: بين حجز المياه والدورة الطبيعية للنهر

انقسمت قراءات المتخصصين حول الأسباب الكامنة وراء هذا الانخفاض المفاجئ بين عاملين أساسيين:

  • أثر تشغيل سد النهضة: يرى وزير الري والموارد المائية السوداني الأسبق، الدكتور عثمان التوم، أن تشغيل سد النهضة غيّر نمط تدفقات النيل الأزرق بشكل ملموس مقارنة بالسنوات الماضية. وأوضح أن إثيوبيا تبدأ في هذه الفترة بحجز كميات من المياه وتمرير كميات محدودة تكفي لتشغيل عدد قليل من التوربينات، بالتزامن مع بدء ملء بحيرة خزان جبل أولياء جنوب الخرطوم، مما انعكس سلباً وبشكل مباشر على المناسيب داخل السودان.

  • الدورة الطبيعية والمرحلة الانتقالية: في المقابل، يطرح الباحث في قضايا البيئة والتنمية المستدامة، الدكتور الفاتح يس، قراءة مغايرة تشير إلى أن الانخفاض قد يكون جزءاً من الدورة الطبيعية للنهر، حيث يمثل شهرا يوليو وأغسطس مرحلة انتقالية تسبق وصول ذروة الفيضان من الهضبة الإثيوبية. ومع ذلك، لم يستبعد “يس” تأثير طريقة إدارة وتشغيل السدود (بما فيها سد النهضة) على كميات المياه الممررة، مؤكداً أن تقييم الوضع بشكل دقيق يتطلب مراقبة تطورات موسم الأمطار في الأسابيع المقبلة.

وحتى الآن، لم تصدر الجهات الرسمية المختصة تفسيراً شاملاً للظاهرة، إلا أن خبراء المياه يشددون على أن هذا الانخفاض الموقّت يستدعي المتابعة اليقظة نظراً لارتباطه المباشر بقطاعي الشرب والزراعة في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى